إعلان

الدّور التّركي في تأزّم العلاقات بين تونس وليبيا

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الحدود بين تونس وليبيا
الحدود بين تونس وليبيا
A+ A-
بالتوازي مع تأزم العلاقات بين الجزائر والمغرب، تعرف العلاقات التونسية الليبية تدهوراً لافتاً لم يعرفه البلدان منذ أواخر عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة من سنة 1975 إلى حين ترؤس الرئيس الأسبق زين العابدين تونس سنة 1987 وتحقيقه المصالحة مع العقيد معمر القذافي. ويبدو أن الأزمة بين البلدين مرشحة في قادم الأيام لمزيد من التطور نحو الأسوأ، ما لم يبادر أحد الطرفين إلى الصلح وخفض منسوب الاحتقان مع جاره.
 
وبدأت الأزمة حين أغلقت ليبيا حدودها مع تونس، بدعوى تدهور الوضع الصحي في الخضراء بسبب استفحال وباء كورونا، رغم أن المؤشرات تؤكد أن السلالة الهندية دلتا وصلت إلى تونس عبر وافدين من ليبيا. وقد خلّف هذا الإغلاق استياءً كبيراً لدى التونسيين الذين لم يغلقوا في السابق حدودهم بوجه أشقائهم الليبيين في ذروة الأزمة الليبية، إبان عمليات الناتو لإطاحة القذافي وحتى بعد ذلك، واستقبلوا قرابة مليوني ليبي على أرضهم استهلكوا معهم المواد المدعمة من الدولة ولم يضيقوا ذرعاً بهم.
 
وتواصل الاستفزاز الليبي من خلال تلميح أطراف في بلد عمر المختار إلى ضرورة مراجعة الاتفاقيات الحدودية البرية والبحرية بين البلدين، رغم أن تونس هي أشد المتضررين من التقسيم الاستعماري للأراضي في المنطقة، وهي التي امتدت قرطاجها في عصر ما، من طنجة المغربية إلى خليج سرت الليبي، وبقي الغرب الليبي وشرق الجزائر جزءاً من الدولة الحفصية في تونس إلى حين قدوم العثمانيين. وفي هذا الإطار، تساءل كثير من التونسيين: هل ما زال في تونس من المساحات ما يمكن أن يطمع فيه جيرانها، وهي التي جعلها الاستعمار لا تكاد ترى على الخريطة، رغم أن مركز الحضارة في البلاد المغاربية بقرطاجها وقيروانها وجامعتها الزيتونية العريقة؟
 
ولم يقف التصعيد عند هذا الحد، فقد ثارت ثائرة رئيس الحكومة الليبي عبد الحميد الدبيبة على مقالة صحافية تونسية تحدثت عن وجود إرهابيين في ليبيا موالين للتنظيمات الإخوانية هناك، يرغبون في استهداف الرئيس التونسي بسبب ما قام به مع "حركة النهضة"، فرد الدبيبة بما مفاده أن تونس هي التي جاء منها الإرهابيون إلى ليبيا خلال السنوات الماضية، وأنها بلد الإرهاب لا العكس. والحقيقة أن العالم لم يشهد سابقاً رئيس حكومة يرد على صحيفة، إذ جرت العادة أن السفارات هي التي تحتج على وسائل الإعلام وترسل ردودها على كتّاب المقالات لتنشر في هذه الصحف، كما أن الشباب التونسي الذي ذهب إلى ليبيا للانخراط في التنظيمات الإرهابية، والذي تحدث عنه الدبيبة، أغرته جهات ليبية بالمال من خلال أجور خيالية، ووفرت له معسكرات للتدريب، وهي جهات تحاشى الدبيبة الإشارة إليها باعتبارها حليفة له في طرابلس.
 
ولعل السب الحقيقي الكامن وراء هذه المواقف للدبيبة ومن يقف وراءه من التنظيمات الإخوانية والأتراك، هو ما أصاب "حركة النهضة" في تونس، حيث يخشى من هم وراء الدبيبة أن يطالهم ما طال "النهضة" من قبل قوى أخرى في ليبيا مناوئة لهم. كما يرجع البعض سبب هذا الغضب الليبي إلى رفض الجانب التونسي إعادة فتح الحدود مع ليبيا، بعدما بادر الليبيون إلى غلقها، وبرّر التونسيون بلسان وزير خارجيتهم استمرار الغلق للحدود بتعلّة أن الحالة الوبائية تستدعي ذلك، وأن اللجنة العلمية التونسية المعنية بفيروس كورونا هي التي تقرر متى تُفتح الحدود.
 
والحقيقة أن الطرف التونسي، ولئن أرجع سبب رفضه فتح المعابر إلى الوضع الوبائي في تونس باعتباره يخشى على صحة الليبيين، إلا أن الحقيقة هي أن الطرف التونسي أراد إيصال رسالة مفادها أن تونس ليست أرضاً مستباحة يلج أرضها الليبيون متى شاؤوا، ويغلقون على شعبها الأراضي الليبية متى شاؤوا. فالطرف الليبي أغلق المعابر في ذروة الموسم السياحي، وأعطى انطباعاً إلى العالم بأن تونس بلد موبوء يجب عدم زيارته، باعتبار أن جيرانه، وهم الأدرى بالأوضاع داخله، قد أغلقوا الحدود بوجه شعبه، وهو ما كلّف القطاع السياحي خسائر فادحة.
 
لقد فعل المغرب الشيء ذاته في موسم الحجوزات في فصل الربيع، فأوقف الرحلات الجوية بين البلدين، وهو ما نفّر الكثيرين في العالم من تونس كوجهة سياحية، ثم جاءت الخطوة الليبية في ذروة الموسم السياحي لتجعل العديد من وكالات الأسفار تلغي حجوزاتها وتتراجع عن الوجهة التونسية. وبالتالي جاز التساؤل عن الجدوى من وجود تكتل إقليمي اسمه "اتحاد المغرب العربي" يتخذ من العاصمة المغربية الرباط مقراً له، وأمينه العام يجب أن يكون بالضرورة تونسياً. كيف يمكن لدول تناصب بعضها بعضاً العداء أن تبني أي شكل من أشكال الوحدة؟ 
 
إن ما يُحسب للطرف التونسي في هذه الأزمة هو هدوء مسؤوليه، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، فرغم الاستفزازات الليبية، لم يصدر عن أي مسؤول تونسي أي تصريح يسيء إلى ليبيا، وحتى رفض فتح الحدود من الجانب التونسي عبّر عنه وزير الخارجية عثمان الجارندي لنظيرته الليبية نجلاء المنقوش بدبلوماسية ودراية وحنكة تُحسب له.
 
ولعل قلة خبرة حكام ليبيا الموقتين الجدد هي التي تدفع بهم إلى هذه القرارات والتصريحات المتسرعة، ناهيك بأن طرابلس التي يتخذ منها هؤلاء مقراً لهم، أطبقت عليها القوات التركية ومرتزقتها. وبالتالي فالقرار في طرابلس هو قرار تركيا المكلومة مما حصل لـ"حركة النهضة" الإخوانية في تونس، والتصريحات تبدو تعبيراً عن مواقف أنقرة على لسان رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة.
 
وبالتالي يرى البعض أن على الطرف التونسي أن يتوجه إلى أنقرة لفض الإشكال مع الليبيين، باعتبار أن أردوغان وأتباعه في حزب "العدالة والتنمية" هم أسياد طرابلس اليوم وأصحاب القرار فيها على ما يبدو، أو وجب الذهاب إلى واشنطن لكبح جماح الأتراك باعتبارهم وكلاءها في ليبيا، بعدما قرر العم سام منذ سنوات الكف عن الحروب المباشرة وعن تعريض جنوده للخطر، وتكليف وكلاء خدمة مصالحه في بؤر التوتر، ومنهم الأتراك.
الكلمات الدالة