إعلان

أفغانستان... من يقبض على الجمر؟

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
الانسحاب الأميركي من أفغانستان
الانسحاب الأميركي من أفغانستان
A+ A-
لسنوات طوال، تمتع خصوم الولايات المتحدة، وباستهزاء كبير، بمنظرها كفيلٍ يصارع بعوضة، في حربها على الإرهاب. ذلك أن الترف الاستراتيجي للآلة الأميركية وصل بعد الحرب الباردة الى حد أن يتسلى بقتل البعوض. استراتيجياً، ليس الإرهاب الا وسيلة قتال قابلة للإنكار ولا يمكن أن يكون عدواً بحد ذاته كما يتبين أصلاً من سلوك إيران في المنطقة.
سرعان ما انتهى زمن العبث الاستراتيجي، وفي مواجهة صعود خصومه الواقعيين، مال العقل الاستراتيجي الأميركي نحو مزيد من التواضع، وتراجع موقع الإرهاب في الاستراتيجية الكونية الى أدنى القائمة وصارت التحديات الجدية البازغة تقرع باب البنتاغون بجد وتطرح أمامه أسئلة لا يسهل عليه الإجابة عنها.
 
فكما كانت أفغانستان في هذا العقل رمزاً لهذا الانحراف، صارت رمزاً للانزياح الجديد. فما الذي تحاول أميركا أن تقوله بانسحابها من أفغانستان؟ ما الذي يعكسه ذلك من تحولات؟ أميركا تعاني دوماً من فصام بين أصولها الديموقراطية وموقعها ومصالحها الكومبرادورية. الولايات المتحدة هي في الأصل، بل هي تبقى، قوة هيمنة بحرية وليست لها مصالح في الهيمنة البرية وليست لها مصلحة في الاستعمار البري كما روسيا أو فرنسا. ويذكرنا هذا الانسحاب الأميركي بما فعلته القوى البحرية البريطانية من صد القوة القارية النابوليونية في البحر لمنع هيمنتها على التجارة العالمية لتدفعها نحو أعماق القارة الأوروبية. وكذا الأمر في القرن العشرين، تمكنت الولايات المتحدة من صد الاتحاد السوفياتي بإغراقه بهمومه البرية.
 
كقوة بحرية مهيمنة دولية، عادت أميركا إلى اعتماد أولويات مختلفة تستند الى تدعيم الهيمنة على المياه الزرقاء، فهي وحدها التي تكرس القيمة الكونية للدولار. لذلك تجد الولايات المتحدة أولاً، إن مهمتها الرئيسية هي السيطرة على المياه الزرقاء أصلاً، وفرض نمط من السلم الأميركي في المناطق الاستراتيجية. وثانياً، لذلك فهي أقل اهتماماً بنشر نموذج الدولة الليبرالية كما في أيام الحرب الباردة. وإن كان من المرحب به أن تصبح دولة ما ديموقراطية ليبرالية، فذاك شأن أهلها. لذلك ثالثاً، رفعت الغطاء عن عدد كبير من الأنظمة التي كانت تدعمها ضد عدو لم يعد موجوداً. وانفكت عن قسر التحولات الداخلية في دول لم تخرج من إرث المرحلة الاستعمارية بعد. بل ها هي تدير ظهرها لأي صراع محلي جوهره النزاعات الداخلية. لذلك أيضاً رابعاً، لم تعد تجد الولايات المتحدة مصلحتها في الدفاع عن الهيكلية الدولية للدولة الوطنية التي خلفها النظام الاستعماري البائد ولا مهمتها إجبار الأقوام على العيش معاً في دول لم تصبح بعد دولاً، ولم يقرر أهلها بعد العيش معاً. تجد الولايات المتحدة أن عليها ألا تدخل قط في أية حرب أهلية.
 
أفغانستان، مثال صارخ على هكذا سياسة. فهذه البلاد، منذ أيام الإسكندر الأكبر، لم تكن يوماً في حالة صلح وطني. وما جاء بالولايات المتحدة اليها ليس تورط الروس، بل لكونها صارت بؤرة لعمل عسكري وجّه ضد أراضيها. إلا أن ما تمكنت الولايات المتحدة من تحقيقه من الناحية الاستراتيجية التاريخية هو أمر استثنائي جداً بالنسبة إلى قوة بحرية. فلقد توغلت في عمق أوراسيا، إلى أراضٍ معادية لم يتم ترويضها قط حتى من قبل القوى القارية في العصور القديمة أو الوسطى. وهكذا فإن التوسع الأميركي في أفغانستان يمثل شذوذاً تاريخياً. ولا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. بل سرعان ما غرقت أميركا في محاولة إعادة بناء الأمة الأفغانية وهي مهمة طالما فشل بها الجميع. والأهم هو أن الولايات المتحدة بدأت ترى نفسها في المرآة كفيل يتمتع خصومه بالتفرج عليه يتلطى للبعوض، ليترك لهم أمر ترتيب الأوضاع في وسط آسيا.
 
لا يضير أميركا شيء في ما لو قرر أهل أفغانستان تكريس أصحاب اللحى الطويلة على بلادهم، وفي النهاية سيحكم الاقتصاد والأجيال القادمة على نموذج الدولة، في ما لو قرر الأفغان الاستمرار في العيش معاً. لكن وسط آسيا صار محكوماُ أن يصبح ساحة صراع كبرى على الموارد في القرن الحادي والعشرين، والخصوم هنا ليسوا "طالبان" بل إنهم لا يعدون أن يكونوا بندقية للإيجار.
 
تتواجه الصين مع روسيا على موارد وسط آسيا وتتصارع باكستان مع إيران على مصير الشيعة والسنّة في أفغانستان وباكستان وتجد الهند خاصرتها لاستراتيجية محاطة بقوى نووية خصمة. الأفغان أنفسهم في حرب منذ الآن. ما بين الشيعة الهزارة، و"طالبان" السنّة وقبائل الشمال من طاجيك وأوزبك، ناهيك بالبيروقراطية والبورجوازية الحديثة في المدن. في هذه اللوحة تبدو أفغانستان من جديد كجمرة يصعب لأي من اللاعبين الاحتفاظ بها، ولكن لا أحد يريدها لغيره. أما تركيا، فتبدو الغانم الحاضر الغائب.
 
تشكل آسيا الوسطى المكونة من كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، إلى جانب أفغانستان، مجالاً جغرافياً استراتيجياً واحداً وهي المنطقة الأقل استقراراً والأكثر خطراً. وتتعالى صيحات الخطر فيها ويتراكض الدبلوماسيون والعسكريون والاستخباريون لاستقصاء المصالح وكشف النوايا، من شانغهاي الى آسيان الى طهران.
في هذه الساحة بالذات لا تتقاطع ابداً مصالح الصين مع روسيا التي تمطت قواتها ما بين أوكرانيا وسوريا وأرمينيا وصولاً الى طاجيكستان وقرغيزستان، حيث "تستضيف" الأخيرة عدداً من القواعد العسكرية الروسية. بل وصل الأمر الى حد أن رحبت روسيا بقاعدة عسكرية أميركية وسط آسيا، رغم المعارضة الصارخة للصين لأي توسع عسكري أو أمني أميركي بالقرب من مقاطعة شينجيانغ المضطربة. وذكرت صحيفة كوميرسانت الروسية في 17 تموز (يوليو) الماضي أن بوتين عرض على بايدن استخدام القواعد العسكرية الروسية في آسيا الوسطى لجمع المعلومات من أفغانستان. وهذا قرار يتناسب مع النموذج المفهومي لروسيا لدورها في الإقليم.
 
وفي ضوء ذلك، تستعر الشكوك في بكين، بأن الخروج الأميركي قد يكون حيلة، وفي المقابل قد يتبين أن التدخل الصيني الأكبر في أفغانستان ليس أكثر من فخ. وفي الواقع يبدو التحرك الصيني مع باكستان لملء فراغ السلطة في أفغانستان تحركاً جيوسياسياً محفوفاً بالمخاطر. حيث يظهر التاريخ أن أية قوة لم تتمكن قط منفردة من السيطرة على هذا الفضاء الاستراتيجي على طول الطريق من الصين إلى البحر الأبيض المتوسط. حتى المغول، سرعان ما شهدوا انقسام إمبراطورتيهم إلى أربعة أجزاء متحاربة لتتلاشى في نهاية المطاف. وليس ثمة أي مؤشر إلى أن الصين سوف تتمكن من النجاح حيث فشل الآخرون. فرغم أن الصين تتمتع بموارد أكبر من أي قوة أخرى في أوراسيا، ولكنها ستظل تواجه مشاكل لا تعد ولا تحصى، من الإرهاب إلى الصراعات القومية إلى المنافسة من القوى الأخرى.
 
وفي النهاية، لا شك في أن مصير هذه المحاولة سيشبه المحاولات الفاشلة السابقة للتأثير في أعماق أوراسيا والسيطرة عليها من مركز واحد. وفي حين تنظر الصين الي أفغانستان على أنها بوابتها نحو الغرب، يُثار الكثير من القلق في الصين بشأن دعم "طالبان" للجماعات الانفصالية والمتطرفة التي تتخذ من شينجيانغ مقراً لها. وبافتتاح الصين لقاعدتها في طاجيكستان تتعزز ملامح التنازع الصيني الروسي. ورغم ان الطرفين الروسي والصيني يسعيان لبناء تفاهمات دبلوماسية في ما بينهما، فإن الحراك على الأرض لا يبدو متوافقاً بل يبدو خطراً.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم