إعلان

الجزائر بين الحفاظ على الأمن القومي والحريات

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
A+ A-
ينتاب الكثير من الجزائريين شعور مفاده بأن بلدهم مستهدف من قبل أطراف عدة داخلية وخارجية، وهو ما يدفع بهم إلى اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لتجنيب بلد المليون شهيد أي انزلاقات خطيرة نحو المجهول في ظل هذه الأوضاع الهشة التي تعيشها المنطقة. ويجد هذا الشعور ما يبرره باعتبار أن عدوى الربيع العربي أو الفوضى الخلّاقة التي بشّر بها المحافظون الجدد في واشنطن، والتي عصفت بالأنظمة غير الملكية في المنطقة مثلما أريد لها، قد انتقلت إلى الجزائر التي تعيش على وقعها منذ بضع سنوات.
 
وقد نتج من حالة الخشية والاستنفار تلك، اتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير والقرارات من قبل السلطات الجزائرية، والتي تهدف إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية البلد من المخططات التدميرية التي تستهدفه من قبل أكثر من جهة. واستهدفت هذه القوانين والإجراءات والتدابير المواطنين الجزائريين والشركات، على غرار القرار الرئاسي الصارم المتعلق بوجوب إيقاف شركات التأمين الجزائرية لتعاملاتها مع شركات مغربية مؤمنة لنشاطاتها لدى هذه الشركات الجزائرية رغم ما يكلفه ذلك من خسائر فادحة لشركات التأمين الجزائرية وما يلحقه من ضرر بسمعتها في السوق العالمية.
 
ويدخل في هذا الإطار أيضاً، تكليف الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون المجلس الأعلى للأمن بتشكيل قطب قضائي جزائي يهتم بالجرائم الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية من خلال مراقبة هذه الشبكة وملاحقة مرتكبي هذه التجاوزات التي كثرت في السنوات الأخيرة. وتتعلق هذه الجرائم أساساً، بنشر الأخبار الزائفة أو تلك التي "فيها مبالغة"، على حد تعبير البيان الرسمي، والتي يرى من سيتولى مهمة المراقبة، وهي السلطات الأمنية على الأرجح، أنها تمس باستقرار البلد وسلمه الأهلي.
 
ولعل في تصريحات الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال الاجتماع المشار إليه ما يؤكد وجود هذا الهاجس الأمني باعتبار أن ساكن المرادية أكد وجود محاولات متواصلة لاستهداف وحدة الجزائر من خلال استغلال الوضعية الاجتماعية المتدهورة للولايات الجنوبية. ولا يبدو أن تبون يتحدث من فراغ مع مجلسه الأعلى للأمن بل بناء على معلومات مؤكدة بوجود مخططات لتقسيم البلد سواء في ما يتعلق بأقاليم الجنوب أو بمنطقة القبائل التي ارتفعت فيها نزعة الإنفصاليين في الآونة الأخيرة مستغلين الحراك الذي أطاح بنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
 
ولسائل أن يسأل، من هي هذه الأطراف التي تستهدف أمن الجزائر واستقراره؟ هل هو الشقيق اللدود المغرب؟ أم أصحاب مشروع الربيع العربي وراء المحيط؟ أم هي أطراف داخلية انفصالية خصوصاً أن الأمر يتعلق بالجنوب حيث الطوارق الذين هم امتداد طبيعي لأبناء عمومتهم الانفصاليون في شمال مالي؟ وإذا تعلق الأمر بأطراف داخلية صرفة أليس من المؤكد أن هناك من يدعمهم في الخارج ويشجعهم على التمرد والانفصال؟ وهل لهذا علاقة بتصريحات السفير المغربي لدى منظمة الأمم المتحدة التي شجع فيها سكان منطقة القبائل على الانفصال من خلال التأكيد على حقهم في تقرير المصير ونعتهم بـ"شعب القبائل"؟
 
ولعل أشد ما يخشاه طيف واسع من الجزائريين هو أن تتحول هذه الإجراءات الأمنية الاحتياطية، والتي لها ما يبررها، إلى ذريعة لاستهداف الحقوق والحريات أكثر فأكثر في بلد المليون شهيد وهي التي لم يرتقِ وضعها في السنوات الأخيرة إلى المستوى المأمول بحسب عدد من النشطاء في هذا المجال. ففتح الباب على مصراعيه للسلطات الأمنية لتتبع من يتراءى لها أنه "بالغ في وصف الأحداث" واعتباره مُخلاً بأمن البلد واستقراره، سيفتح المجال لتجاوزات كثيرة وربما لتصفية حسابات شخصية مع هذا الناشط السياسي أو الحقوقي وذاك.
 
ويتهم البعض الرئيس تبون أنه يهدف من وراء هذه الإجراءات إلى إحكام قبضته على البلد وإلى استهداف الحراك الشعبي وقادته غير الراضين على أداء ساكن المرادية منذ أن باشر مهماته على رأس الدولة الجزائرية وأدى اليمين الدستورية رئيساً للجمهورية خلفاً للرئيس المطاح به من الحراك، عبد العزيز بوتفليقة. فحتى الحجر الصحي الإجباري الذي فرضته الدولة الجزائرية للوقاية من فيروس كورونا، اتهم البعض السلطات بالتشدد والمبالغة في اتخاذ الإجراءات الصارمة المتعلقة به وذلك للقضاء على تواجد عناصر الحراك في الشارع والذين استمروا في معارضة المنظومة الحاكمة رغم الإطاحة بالرئيس بوتفليقة.
 
ويبدو أن هناك معضلة حقيقية تواجه أصحاب القرار في الجزائر، فمن جهة هم مطالبون بالحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع تقسيم البلد ممن يستهدفونه بمخططات تدميرية واقعية وحقيقية وليست من نسج الخيال، ومن جهة أخرى عليهم إرضاء المجتمع المدني الجزائري والقوى الحية الممثلة في الحراك، وغير الممثلة فيه، والراغبة في المزيد من الحريات وفي تكريس حقوق الإنسان واقعاً في بلد المليون شهيد. ولا يبدو الأمر بالسهولة التي يتصورها البعض باعتبار أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الحفاظ على الأمن والاستقرار من جهة، وبين استهداف الحريات العامة والخاصة من جهة أخرى.
 
فحتى الدول الكبرى والديموقراطيات العريقة كثيراً لا تنحرف باتجاه الانتهاكات التي تطاول حقوق الإنسان والحريات كلما تعلق الأمر بالأمن القومي. ولعل ما قامت به الولايات المتحدة المدافعة عن قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان في سجون أبي غريب في العراق وباغرام في أفغانستان وغوانتانامو في كوبا، وفي السجون السرية الطائرة، خير دليل على صعوبة التوفيق بين الأمرين.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم