إعلان

عمرو خالد والمحايدون

المصدر: النهار العربي
محمد فوزي
عمرو خالد على "العربية"
عمرو خالد على "العربية"
A+ A-
كان اللقاء الذي استُضيف فيه الداعية عمرو خالد على قناة "العربية" منذ أيام كاشفاً عدداً من الحقائق والدلالات المهمة التي تتجاوز خالد والدعاة الجدد، إلى بعض القطاعات المجتمعية والنخبوية وتعاطيها مع الواقع. وقد عكست هذه الدلالات، إجابات خالد على الأسئلة التي طرحها المذيع، خصوصاً تلك المرتبطة ببعض قضايا الواقع، وهي الأسئلة التي حاول الضيف الهروب منها تارةً بالقول إنه "متخصص في الروحانيات"، وتارةً أخرى بالقول إنه "لا يريد الدخول في السياسة"، أو "مش عاوز يزعل حد" على حد تعبيره.
 
كانت عبارة "مش عاوز أزعل حد" أهم وأخطر ما في حديث الداعية عمرو خالد، فهذه الجملة جاءت في سياق عدم رغبة خالد تبني مواقف ورؤى واضحة، من قضايا حديثة ومرتبطة بالواقع، وذلك إدراكاً منه أن المواقف الواضحة قد يترتب عليها خسارة على المستوى الجماهيري والشعبي، وهو اعتبار مهم بالنسبة إليه والدعاة الجدد في شكل عام، لأن رأس مالهم يقوم على الجانب الجماهيري والشعبي، لكن هذه الجملة وما تعكسه من دلالات، تتجاوز حدود السياق الذي قيلت فيه، إلى كونها إحدى الأدوات التي باتت توظف في شكل كبير من العديد من الاتجاهات المجتمعية والنخبوية والسياسية والدينية، من أجل الحفاظ على حضورها، وكسب تعاطف الجماهير ودعمها، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإجماع، وهو ما كرّس لدى الجماهير وعموم الناس أن الأصل هو ما يُطلق عليه "الحياد"، وأصبح الشاذ هو تبني موقف بـ"الإيجاب أو السلب" إزاء القضايا المختلفة والتطورات المتلاحقة، مُتناسين أن هناك فرقاً بين "حياد الموقف" و"موضوعية الطرح أو التناول"، فهذا الحياد يكاد يكون غير موجود، لأن كل إنسان لديه موقف – أياً كانت بواعثه ومدى صوابيته واتجاهه سواءً القبول أو الرفض نسبيةً أو كليةً – من التطورات والقضايا المختلفة الاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها. لكن هذه المواقف يجب أن تكون محكومةً بـ "الموضوعية" و"الاعتبارات الأخلاقية"، فيجب أن تكون المواقف مبنيةً على أسس علمية ومنطقية، ولا تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية، فأصبح ما يُعرف بـ "الحياد" هو المبدأ الذي يتبناه كثيرون، إما براغماتيةً وانتهازيةً، أو خوفاً من تداعيات تبني مواقف ورؤى واضحة.
 
أشار عمرو خالد في حديثه أيضاً إلى وجود أخطاء من المؤسسة الدينية في مصر، لكنه راجع نفسه وعاد ووصفها بـ"التحديات"، وهو الأمر الذي لا ينفصل عن خندق "الحياد" الذي لا يريد الداعية مغادرته، فهو يدرك القيمة الكبيرة التي تحظى بها مؤسسة الأزهر لدى جل المسلمين، وبالتالي لم يرغب في الظهور بمظهر المُنتقد للمؤسسة الأزهرية حتى لا يصطدم مع عموم الناس، ويُهاجم من قبلهم، كذلك الحال بالنسبة إلى قضية "تجديد الخطاب الديني" التي حاول المذيع أن يحصل منه على موقف أو رؤية واضحة بخصوصها، لكنه كان يهرب من الإجابة، وهو ما عكس من جانب البنية المعرفية الهشة للرجل، ومن جانب آخر عدم رغبته في الخوض في هذه المسألة التي أصبحت "سيئة السمعة" لدى عموم الناس، بسبب عدم إنجاز رؤية واضحة منضبطة بهذا الخصوص من قبل المؤسسات الدينية في مصر، وبسبب التعاطي الإعلامي الخاطئ مع هذه القضية، وتقديم اعتبارات "البروباغندا" و"الترند" على فكرة إدارة حوارات بنّاءة توضح ماهية وطبيعة والمقصود بـ"تجديد الخطاب الديني" لعموم الناس، وأنه لا يعني كما صُور لهم "هدم الدين ونسفه"، فضلاً عن تيارات الإسلام السياسي والتيارات الإسلامية التي أوحت لعموم الناس هذا المعنى وصدرته لهم، وبالتالي لم يرغب عمرو خالد في الدخول إلى هذه المساحة الشائكة التي قد تسحب من رصيده الجماهيري، وتهدم النموذج والصورة الذهنية التي حاول منذ سنوات تكريسها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم