إعلان

إخوان ليبيا والمحاولات العبثيّة لتلميع الصّورة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
من "الاخوان المسلمين " الى "الاحياء والتجديد"
من "الاخوان المسلمين " الى "الاحياء والتجديد"
A+ A-
لم يتفاجأ أغلب العارفين بالشأن الليبي من تحوّل جماعة "الإخوان المسلمين" في موطن عمر المختار جمعية تحمل اسم "الإحياء والتجديد"، وذلك أسوة بعديد التنظيمات الأصولية التي تستغلّ الدين مطيّة للوصول إلى الحكم ولاستقطاب الأنصار والمريدين.
يدفعها الى ذلك الوضع الإقليمي والدولي، بعدما تم تصنيف الجماعة الأم تنظيماً إرهابياً من جانب العديد من الأنظمة في العالم، وملاحقة أرصدتها التي تضخ فيها إكسير الحياة في البلدان التي أعلنت الحرب صراحة على هذه الجماعة وفروعها.
 
فـ"حركة النهضة" في تونس، على سبيل المثال، والتي غيّرت تسميتها منذ نهاية عقد الثمانينات، بعدما كانت تسمى "حركة الاتجاه الإسلامي"، تتبرأ اليوم من مرجعيتها الإخوانية وتعلن صراحة أنه لا علاقة لها بالتنظيم الإخواني الأم، بعدما كانت لا تنفي هذا الانتماء في ما مضى ويتفاخر به أنصارها أمام الملأ. كما أعلنت الحركة فصلها بين العملين الدعوي والسياسي، بعدما اتُّهمت بتوظيف المساجد لحشد الأنصار وتأليب المصلين والعابدين و"الركّع السجود" على معارضيها، وهو في الحقيقة فصل وهمي ورسائل تبعث الى الخارج لضمان دعم بعض دوله الكبرى لا غير.
 
وبالتالي، فإن عملية تغيير التّسميات هذه، هي مجرد مناورات، الهدف منها الإيهام بأن هذه التنظيمات منفصلة عن التنظيم الأم الموصوم بالإرهاب، وهي أيضاً رغبة من هذه الحركات في عدم إحراج القوى الغربية الداعمة الرافعة لشعارات محاربة الإرهاب والدفاع عن الحريات. كما أن مسألة فصل الدعوي عن السياسي، هي ادعاء لا أساس له من الصحة، ويتعلق بفصل وهمي يخضع فيه كل من التنظيم الدعوي والسياسي للمرشد أو الزعيم نفسه، ويقوم التنظيم الدعوي بالدعاية للتنظيم السياسي في منابر المساجد، ويحثّ المصلين والمقبلين على دروس الشريعة والفقه وغيرهم من رواد المساجد على التصويت لحزب التنظيم، ناهيك بالتشويه الممنهج لمعارضي الحزب الإخواني من جانب الدعاة في منابر المساجد. 
 
ويرفع التنظيم الإخواني الليبي بالتوازي مع تسميته الجديدة شعارات مدروسة ومنتقاة بعناية، ويوظّف مصطلحات جديدة من قواميس المجتمعات الحداثية الغربية غير معتادة من هذه التنظيمات التي كانت تجنح في ما مضى إلى الاقتداء بـ"السّلف الصالح"، حتى في ما يتعلق بالعبارات المستعملة في الخطاب الرسمي. فقول الجماعة إن تغيير التسمية جاء إيماناً منها بأن "المدخل الحضاري للتغيير والنهضة هو العمل المجتمعي، للإسهام في قيام مجتمع مدني لا يضيق بالتنوع والاختلاف" يوحي بأننا إزاء نشطاء تقدميين في بلد غربي حداثي، قطع أشواطاً هامة في مجال الحقوق والحريات، وهو خطاب يدغدغ مشاعر الغربيين ويدفعهم إلى مواصلة دعم هذه الجماعة التي نشأت في رحم العالم الأنغلوسكسوني على أرض عربية.
 
ويرى آخرون أن التغيير في الخطاب موجه إلى الداخل أيضاً، باعتبار أن إخوان ليبيا المتورطين بمعية حلفائهم في تدمير مطار طرابلس، وفي الحرب الأهلية التي استمرت لعشر سنوات، وفي منع البرلمان المنتخب من عقد جلساته في طرابلس، بحاجة إلى جراحة تجميلية ليتم قبولها مجدداً قبولاً حسناً من الشعب الليبي. ألم تنهزم الجماعة في آخر انتخابات تشريعية أجريت في ليبيا فرفضت الاعتراف بنتائجها بتعليلات واهية من اختلاقها هي؟ ألم تتورط هذه الجماعة أيضاً في ارتكاب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان وثّقتها المنظمات الحقوقية ولا يمكنها أن تسقط بالتقادم؟ هل تكفي التسمية الجديدة لمسح هذه الصورة السلبية السيئة من أذهان الليبيين والعالم؟
 
لم يعرف العالم من قبل جمعية تنتمي إلى نسيج المجتمع المدني في دولة حداثية لديها أجنحة مسلحة، وترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان وتتدخل في الحياة السياسية، وتشارك في الانتخابات ولا تعترف بنتائجها حين تنهزم، وتمنع برلماناً منتخباً من عقد جلساته في مقره الرسمي طيلة سنوات. كما لم يعرف العالم جمعية مدنية يقتحم المحسوبون عليها الفنادق حيث مقار المجالس الرئاسية، ويطالبون بقوة السلاح بإقالة وزيرة خارجية بلادهم لأنها تطالب بخروج المرتزقة الأتراك من بلادها.
 
كيف ترغب هذه الجماعة في التطهر من أدران الماضي وما زالت تعربد إلى يوم الناس هذا خدمة لأجندات تركية إخوانية لا تقيم وزناً للمصلحة الليبية؟ ألا تعتبر المطالبة ببقاء المرتزقة الأتراك في ليبيا والمطالبة بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش تغليباً لمصلحة الأتراك على حساب مصالح الليبيين، ورغبة من إخوان ليبيا في أن يبقى بلدهم محتلاً ومنقوص السيادة؟
 
وبالتالي، مهما تغيّرت الأسماء، سواء "الإحياء والتجديد" أو "تنظيم الإخوان المسلمين"، فإن السلوك واحد، والأداء واحد، والانتهاكات واحدة، والحكم بقوة السلاح واحد، وكذلك العربدة. فتحت مسمى التنظيم الإخواني، منع هؤلاء البرلمان من عقد جلساته في طرابلس، فاضطر للبقاء في طبرق، وبمجرد تغيير التسمية إلى "الإحياء والتجديد"، يتم اقتحام مقر إقامة المجلس الرئاسي والمطالبة بالسلاح بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش.
 
ولعل ما يمكن الجزم به أن العملية السياسية لن تنجح في ليبيا في ظل استمرار وجود السلاج في أيدي هؤلاء وغيرهم، وما على الراغبين فعلاً في استقرار الأوضاع إلا الضغط باتجاه نزع هذا السلاح من أيدي هؤلاء حتى قبل إجراء الانتخابات. وليؤجل هذا الاستحقاق الانتخابي إن لزم الأمر إلى ما بعد نزع سلاح الميليشيات بالكامل، لأن الحال لو استمرت على ما هي عليه، فإن السلاح المشار إليه سيؤثر في نتائج الاقتراع، وستكون إرادة الناخب معيبة وسيكون التصويت غير نزيه طبقاً للمعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة. 
 
الكلمات الدالة