إعلان

في سيناريوات الحلّ السّوري

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
من المصالحات التي اجراها النظام
من المصالحات التي اجراها النظام
A+ A-
 سأحاول، في بضع مئات من الكلمات، أن أكتب عن سيناريوات الحل في سوريا. وأنت تكتب كلاماً عمومياً فإنه يختزل الحقيقة بعض الشيء بالضرورة، ليصبح الكلام أحياناً فجاً وفاحشاً. 
 
طالما كانت سوريا الجغرافيا جسراً، أفقر من أن تحتل وأهم من أن تترك لشأنها في إقليم يتداعى بحد ذاته. بل غالباً ما كانت تابعة، وليست خاضعة، لحضارات غنية. 
حين كانت تضعف بلاد الشام كانت تنقسم بين غساسنة ومناذرة، وحين تقوى تحاول أن تكون عاصمة للعواصم، وكان أهل الشام كقوم سياسي من طراز فريد، يجترحون نهضة تعيد بناء ثقافة وسياسة الإقليم بل والعالم. فكانت الديانات وكانت الحركات القومية. بذلك أصبحت بلادنا أس الأيديولوجيا. 
 
سوريا، في أصل تكونها الجغرافي - الاقتصادي، هي وحدة واحدة بطبيعتها. لكن لكونها جسر عبور، قسمتها أقوامها بحسب العصبيات. وساحل الشام بقي طوال قرون نصرانياً، فأهل الشام تجار في البحر كما في البر وفي آخر الأمر ما يهمهم "هو رزق رب هذا البيت". 

الأصل في الدولة الحديثة أن تكون أمة لذاتها، وبالفعل نشأت على هذه الجغرافيا السورية بعد الاستقلال محاولة لتشكيل دولة - أمة سورية من بشر طامحين للحياة المشتركة. وبدل بناء الدولة - الأمة السورية الناشئة، قفز الطامحون العقائديون لتحميل مشروعنا الوطني عبء الإقليم بأسره. وكما في كل مرة، تتجاوز سوريا ذاتها لتحمل أحمال الإقليم بأسره، كانت سوريا تنكسر. 
 
فما بين حلم "وحدة" "العرب" من الخليج الى المحيط وإحياء خلافة "المسلمين"، وتحرير "المغتصبات"، تفككت سوريا وتذرت.
 
في التاريخ، نادراً ما استتبّ نظام عالمي. والنظام الراهن هو أمر ناشز وطارئ ليس من طبيعة الأشياء في العلاقات الدولية. وبعد سبعين عاماً من عالم برأسين، يتداعى النظام العالمي وتتداعي معه الحقوق والقانون، فيما صارت سوريا ثقباً أسودَ يشكل أضعف حلقات هذا النظام المتداعي. فلقد انهارت مقوّمات اتفاقات يالطا، وقبلها فرساي وسايكس بيكو وسيفر. فيما لا تزال حية المسألة الشرقية الناجمة عن الانهيار المحتوم للإمبراطورية العثمانية والتي انهارت كما انهارت معها أربع إمبراطوريات أخرى بعد الحرب العالمية الأولى. حالياً، يستمر السوريون يناشدون ويطالبون ويدينون فيما هو حلم أقرب للوهم.
 
على جانب آخر، وفي غفلة من السوريين، جرى في كل من سوتشي والقدس إقرار جملة مبادئ لسايكس بيكو جديد يتضمن تقسيم سوريا. أشعر برغبة جامحة في أن أهز السوريين فرداً فرداً بغض النظر عن ولاءاتهم لأقول إن سايكس بيكو الجديد على وشك أن يتم! ولسذاجة الكثيرين لا يزالون يشترون وعود وحدة الأراضي السورية. لا تزال نسختان من سايكس بيكو الجديد تتنازعان، نسخة سوتشي ونسخة القدس، والخلاف على بعض التفاصيل.  

ليس تحقق سايكس بيكو الجديد محتماً، ولا يزال السوريون قادرين على قلب المجن. وبالمقابل لن يأتي يوم يتدخل فيه أي كان في هذا الكون لتوحيدنا. ولا أحد يهتم. وفي أحسن الأحوال قد يقررون تفويض بسطار أو ذقن جديدة لتجمعنا على الاستبداد.  
أهم ما في الأمر أنه، في إطار صراع البقاء، لم يعد لدى الكثير من السوريين سوى تأجير بنادقهم للمحتلين، فيصفق "وطني" سوري لطائرات تقصف هنا ويشجب  الطائرات ذاتها تقصف هناك. 

لأجل كل ذلك أقول: 
إذا استبعدنا حرباً إقليمية تعاقب الأشرار وتنصر الأخيار، وهو أمر استبعده ويتجنبه الجميع. وإن استبعدنا انسحاب المستعمرين المختلفين طوعاً، وهو أمر تكرّسه كل دروس التاريخ، وإذا فهمنا انهيار منظومة الحقوق في العلاقات الدولية، وهو الأمر الغالب في تاريخ هذه العلاقات، ندرك أنه، على عكس القول المأثور، غالباً ما تذهب الحقوق حتى لو بقي المطالبون. 

أقول بعد كل ذلك إننا إن أردنا بقاء سوريا، فليس لنا خيار إلا المصالحة بين الكتل والمكونات السورية، أما الإيمانيات بالحتميات التاريخية ونظريات المؤامرة فمثواها الجنة وليس في أتون سوريا الآن.  
 
من دروس التاريخ ندرك أن ستالين انتصر في الحرب ثم خسر كل روسيا في السلام، وحصل العكس في ألمانيا واليابان. وإذ تنتهي الحروب الأهلية وتسعى الكتل السكانية المتقاتلة لإنتاج حل ما، فإن هذا الحل يحسمه عاملان: ميزان القوى، وأفق استدامة الحل. 
 
يؤكد الحال الراهن في سوريا انسداد الأفق العام لجميع السوريين، وعلى امتداد الخريطة السورية يمتد المستقبل المظلم على أفق كل الناس. أما الشباب فإن مستقبل الكثير منهم صار رهناً بالسلاح وسوى ذلك لا شيء. 
 
ولئن انتصر النظام السوري عسكرياً ثلاثة أرباع انتصار، لكنه خسر سبعين في المئة من الموارد الاقتصادية. وهزمت المعارضة عسكرياً ثلاثة أرباع هزيمة، لكنها حتى في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام بأقسامها المختلفة، لم تستطع أن تقلع بأي نمط من التنمية ولو على مستوى بؤري، بما يخلق قوة المثل البديل وبما يضمن الأمن الفردي والاقتصادي ويحيّد أمراء الحرب والبلطجية. وبالطبع فإن أياً من النظام والمعارضة لم ينتصر ولا ربع انتصار في الحوكمة، ناهيك بأن النظام والمعارضة لا يزالان بعيدين عن الانتصار في استدامة السلم الأهلي. في شرقنا الأوسطي الموقت هو الأرجح والأقدر على الاستمرار والتقسيم الراهن يريح الكثيرين. لكنه يوصل السوريين الى أفق حالك لا أمل فيه للحياة، وبخاصة للأجيال القادمة. لذلك أتجرأ على الحديث عن المصالحة. 

شرط تحقق الديموقراطية هو أن ندرك أنه فيما أدرك العالم الديموقراطية بوعيه وبَشَّر بها لألفي عام كنمط من الحكم العادل، إلا أنها لم تبدأ في التحقق إلا حين صارت ضرورية للتطور البشري. وهي لم تصبح كذلك إلا في نموذج الدولة الليبرالية حيث أقل ما يمكن من الدولة وأكثر ما يمكن من الحرية. وهي لن تصبح ضرورية في سوريا إلا في ظل اقتصاد حر وفي ظل الأمن الفردي والاقتصادي وسيادة القانون. فهل هذا هو نمط الدولة الذي سنحقق؟

أقول ذلك لأني ما زلت أفكر في دور التجار والطبقة المتوسطة المدينية ورجال الأعمال في صوغ الحل. إذ يعلمنا التاريخ البعيد والأقرب لبلاد الشام، أنه منذ نشوء الإقطاعية العسكرية في منتصف الألفية الماضية، لطالما ركن تجار دمشق وحلب وحمص وبيروت الى تجاراتهم ولم ينتجوا أدواتهم ومشروعهم السياسي، بل أوكلوا أمر شؤون الحكم لشركاء من ميليشيات شبه عسكرية تدير شؤون الحكم. 

وهذه الحال تختلف جذرياً عن جوهر العقد الاجتماعي في مصر أو إيران أو في تركيا وتونس والمغرب، حيث تدرك الطبقة ذاتها وتحكم بذاتها وتنتج أدواتها وتقود البلاد نحو الخلاص. وأظن أن لا مخرج ديموقراطياً ما لم يقم على مشروع جديد للبرجوازية السورية لتكرس حكمها ومشروعها الليبرالي، وهذا أمر أضطر لذكره هنا ولكني سأكتب عنه قريباً وبالتفصيل.
 
لكن الديموقراطية وحدها ليست ضمانة للسلم الأهلي. فمشكلة الهويات العرقية – الطائفية لا يحلها صندوق الاقتراع وحده. 

التاريخ حلها على نمطين. إما بالاستبداد والدم، أو بالديموقراطية مع الاعتراف الطوعي بالهويات. فحتى بوجود الديموقراطية المثالية، لا يتحقق السلم الأهلي من دون اعتراف ومشاركة طوعية تامة للهويات وبشكل غير قابل للالتفاف. وأي قمع لها يعني عودة الاستبداد بأوحش أشكاله. 

في هذه الظروف، وبغض النظر عن مظالمها، سيترتب على "الأكثرية" السورية أن تقدم أهم المبادرات، فهي التي لها المصلحة الكبرى في الحفاظ وحدة البلاد. وأنا إذ أقول هذا الكلام لا أعني البعد الديني الطائفي للقوم السني، بل أقصد هذا القوم الأكثري بغض النظر عن انتمائه الطائفي الذي بقي يحاول أن يحيا في ظل حرب أهلية طاحنة. أقصد الطبقة الوسطى السورية بكل مشاربها وأبعادها الثقافية والحضارية والإثنية المختلطة. 

ليس ثمة حل سياسي دولي ولا إقليمي يوحّد سوريا. هذا محض وهم. لا أحد يهتم بعد أن أصبحنا مصرفاً لكل نتن الصراعات الإقليمية. والكل يريدها جمراً تحت التراب. أما بشار ونظامه فقد صارا غير ذوي عبرة، إلا من وجهة أنهما يرتهنان المصالحة بين السوريين. لو غاب بشار لن تتوقف الحرب، وإن بقي فهو غير قادر على مصالحة أهله وتحقيق السلم الأهلي، ناهيك بالانتصار في السلم. 
لكل هذه الأسباب أرى سيناريو الحل في سوريا احتمالاً بين ثلاثة. 

أولها سيناريو أن تستمر الأمور على عواهنها ويستقر مزيد من عفن أمراء الحربوتفسخهم وتنتهي سوريا.

السيناريو الثاني أن تحتاج إحدى دول الإقليم (بما في ذلك روسيا) لإغلاق الجرح السوري بنتنه، فتجلب بسطاراً ما لإدارة حلقة جديدة من عذابات الحرب الأهلية وخرابها لتنفجر كل حين. وتوغل سوريا في الخراب.
وإما الثالث فهو المصالحة. 
 
وأقول هنا إن الثورات، كنمط خاص من الحروب الأهلية، يفترض فيها أصلاً الانتصار الصفري للثوار، فإن لم يتحقق تصبح المصالحة في الحرب الأهلية توافقية بين رموز القوى المتصارعة وحكمائها. لم يقدم التاريخ أي مخرج آخر. بل إنه لمن الوهم أن نتصور أن تقوم أي قوة إقليمية بتسهيل المصالحة. كلهم سعداء بخمود النار واستمرار الخراب في حين يغيب صوت السوريين.
وإذا كنا نطمح لبلد ديموقراطي فلا يمكن أن تتم المصالحة إلا طوعياً، وضمن شروط بين كل المكونات الإثنو- طائفية للشعب السوري وخارج منطق الحرب الأهلية ومنطق الفوز والخسارة. أما الحلول التي قد تتحقق فلن تكون عادلة بل منصفة، تستند الى ضرورة طمأنة الجميع وتكريس تدريجي للثقة في ظل شرخ راهن عميق. أما الحديث عن الدستور وسوى ذلك فمجرد مضغ للهواء، فليس في التاريخ مثال واحد لنهاية صراع بهذا الشكل إلا في العراق. وما أدراك ما العراق. جل ما يمكن إنجازه الآن هو وثيقة ما فوق دستورية بمثابة عقد اجتماعي يصوغها ممثلو المجتمع السوري. 
 
ثمة مخرج عملي لحوار مجتمعي سياسي سوري يسعى الى تجاوز منطق الحرب ويجد فيه كل طرف ربحاً له، بل ربحاً لسوريا. شرط هذا المخرج الذي لا بد منه هو أن تتحرر النخب من ورطاتها العقائدية وتقدم على الحوار نحو المصالحة. فبدلاً من دق أعتاب مختلف أصناف المحتلين، يمكن للنخب أن تنتج خطاب المصالحة ويمكن لمشروع سوري أن يتحقق. 
 
هكذا تمكنت شخصيات معدودة من الكتلة الوطنية من مواجهة تقسيم سوريا إبان الاحتلال الفرنسي. ولنا أن نختار بين أن نستمر في مناشدتنا وترجينا الرحمة على أعتاب سوتشي والقدس، أو أن نرحم بعضنا بعضاً ونجلس، والحي أبقى!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم