إعلان

الأصوليون والغرب... توظيف سياسي أم اختراق فكري؟

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
من تظاهرة لـ"جماعة الإخوان المسلمين"
من تظاهرة لـ"جماعة الإخوان المسلمين"
A+ A-
العلاقة بين الجماعات الأصولية والمجتمع الغربي ملتبسة ومرتبكة تاريخياً، يحيطها الكثير من الغموض والحذر الواقع بين العدواة والتوظيف والمنفعة المتبادلة، وفقاً لبراغماتية متناهية في الاستغلال السياسي والاجتماعي والديني.
استثمرت الجماعات الأصولية بتنوعهاتها هامش الحريات لفرض رؤيتها ونشر توجهاتها بين الجاليات العربية والإسلامية، أو التأثير في الهوية الغربية في شكل عام وتطويعها لما يتراءى مع مرجعياتها الفكرية المتشددة.
 
تمثل أزمة فقدان الهوية والحالة الشعورية بالاستغراب، التي تسيطر على الجاليات العربية والإسلامية مدخلاً إلى توطين مشروع تيارات الإسلام السياسي ومرجعيته الفكرية، كبديل للانتماء الوطني والقومي، في ظل تعايشهم وسط سلوكيات تناقض عاداتهم وتقاليدهم، التي تربوا في أحضانها.
 
الكثير من الجماعات الأصولية وفي مقدمهم جماعة "الإخوان المسلمين"، وجدت في الغرب ضالتها لزيادة نفوذها وتقوية مصالحها، وتنمية مواردها ومصادر تمويلها، وتسويق مشروعها الفكري، فضلاً عن تقديم نفسها كبديل مناسب للأنظمة السياسية الحاكمة، والحامي للمصالح الغربية في العمق العربي في حال دعم ممثليها للوصول إلى السلطة.
 
في المقابل وظفت دوائر صنع القرار الغربي الجماعات الأصولية في براغماتية سياسية نفعية وخلقت منهم كيانات ضغط سياسي وهمية لتمرير مصالحها وتنفيذ أجنداتها في مواجهة النظم السياسية العربية الحاكمة، إلى جانب استخدامهم في تعبئة أصوات الجاليات العربية والإسلامية في العمليات الانتخابية وتوجيههم لدعم تيارات وشخصيات سياسية محددة.
 
حالة التوظيف المتبادلة والمتناقضة بين أوروبا والجماعات الأصولية لم تتمكن من إخفاء مساحة الكراهية المتزايدة، والتي يتم تغذيتها بين الجانبين في إطار مجموعة من الأسباب والدوافع، منها على سبيل المثال وليس الحصر، استدعاء أمجاد الخلافة وفتوحاتها، فضلاً عن حالة التباهي الدائمة بغزو أوروبا في عيون ممثلي تيارات الإسلام السياسي، والتأثر بالتاريخ الاستراتيجي للفاتحين الأوائل أمثال نور الدين محمود، وألب أرسلان، ومحمد الفاتح، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، ويوسف بن تاشفين، وسليمان القانوني.
 
سعت مكوّنات الإسلام السياسي إلى التخطيط لمحاولة إعادة تغيير الهوية الغربية فكرياً وثقافياً، وفقاً لما يسمى بـ"استاذية العالم"، التي طرحها حسن البنا، وسار على دربه الكثير من الحركات الأصولية، معتمدة على سياسة القوة الناعمة في اختراق المجتمع الأوروبي منذ مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، بهدف السيطرة على الغرب، لا سيما جماعة "الإخوان"، التي لجأت إلى مشروع "الاستقطاب المجتمعي" للفكرة الأصولية، وتوسعت في تأسيس المراكز الإسلامية الكبرى، والتغلغل في عمق مؤسسات ودوائر صنع القرار الغربي ومحاولة استمالتهم لـ"مشروع الإسلام السياسي".
 
أمام حالة التعاون والتناطح، اتجه الغرب لتأسيس الكيانات البحثية لتقديم رؤية موسعة حول مكوّنات الإسلام الحركي شاملة لقراءة جوانبها التنظيمية ومنهجيتها الحركية ومفاهيمها ومضامينها الفكرية، ودوافع مشاريعها ومشاربها السياسية، ورصداً لنقاط ضعفها وقوتها، وطرق تطويعها، والعمل على وقف نفوذها في العمق الأوروبي.
 
يقول مارتن فرامبتون في كتابه "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والمشاركة"، إن "الإخوان" حاولوا استغلال الكليشيهات التي كان يطلقها الغربيون حول الديموقراطية والحرية لتقديم صورة معتدلة عن أنفسهم، ولم تكن الرغبة "الإخوانية" في التواصل مع الغرب تعني الرغبة في الانفتاح والحوار مع ثقافتها، وإنما كانت أسلوباً براغماتياً في كثير من الأحيان.
 
ويشير فرامبتون إلى أنه على رغم عدم توافق الغرب مع فكر جماعة "الإخوان" وقياداتها، فإنه يتعامل معها بصورة عادية، ما يفسر البراغماتية التي يتعاطى بها الغرب الذي يبدو الأكثر استعداداً للدخول في حوار بهدف التعاون والمنفعة المتبادلة معهم.
 
واعتبر فرامبتون أن العلاقة بين "الإخوان" والغرب مرَّت بمحطات من عدم الثقة، لا سيما أن المرجعية الفكرية للجماعة تحمل الغرب المسؤولية الكاملة عن ضياع أرض فلسطين، وإسقاط الخلافة العثمانية، لذا جاءت فكرة تأسيس التنظيم على أساس مواجهة الهيمنة الغربية على المجتمعات المسلمة، بل ومحاولة تقديم بديل لها، وأنه على رغم حالة عدم اليقين، وغياب الموثوقية بين الطرفين، فإن الغرب اعتبر الحركة حصناً يمكن استغلاله ضد تنامي الفكر الشيوعي في فترة التحرر الوطني التي بدأت في الخمسينات من القرن الماضي، وهو ما عكس تخوفهم من تحول هذه الحركات إلى ما يشبه "حصان طروادة" للشيوعية.
 
احتضنت بريطانيا والولايات المتحدة الكثير من المرجعيات الفكرية المتشددة، أمثال قيادات تنظيم "الجهاد"، و"الجماعة الإسلامية" وتنظيم "القاعدة"، ورجال التنظيم الدولي لـ"الإخوان"، ليس من قبيل الحرية والديموقراطية، لكن من باب التوظيف السياسي المتعمد وتحويلهم إلى أوراق ضغط يمكنها التلاعب بها لتركيع عدد من الأنظمة الحاكمة، وضمان عدم التمرد على سياساتها ومصالحها في عمق الشرق الأوسط.
 
قُدمت هذه العناصر المتطرفة كممثل للإسلام في الغرب، وأنها التجسيد الواقعي والحقيقي للمسلمين والشريعة الإسلامية، بهدف خلق وتصدير فكرة "الكراهية" السياسية والاجتماعية، وانتشار ظاهرة "الإسلاموفوبيا"، التي حصّنت الجماعات الأصولية وعملت على تعبئة داوئر الإسلام السياسي تجاه المجتمعات الأوروبية، وخدمت في المقابل المصالح الغربية التي وظفت تلك الظاهرة لتحقيق مصالحها تحت لافتة "مكافحة الإرهاب والتطرف".
 
قامت بعض الجماعات الأصولية بانتهاج العنف المسلح واتباع طريق المواجهة المباشرة، ووفق سياسة التغيير من أعلى، تجاه المصالح الغربية، سواء داخل أوروبا أو خارجها، فيما يطلق عليه "العدو البعيد"، وتأخير الالتحام المباشر، مع العدو القريب "الأنظمة العربية"، وهو النهج الذي اتبعه تنظيم "القاعدة"، على يد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وتشكيل ما سمي بـ"الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين"، في شباط (فبراير) 1998، سعياً لخلق حواضن شعبية داعمة لتوجهاته، نقيضاً للمسارات التي اتبعها تنظيم "داعش" في التركيز على العدو المحلي أو النظام السياسي القائم.
 
تعتبر المجتمعات الأوروبية والغربية في مخيلة المرجعية الفكرية الأصولية إرثاً تاريخياً يمثل جزءاً صلباً من كيان دولة الخلافة، ووجب عودتها إلى حواضن الأيديولوجية ومساراتها السياسية والدينية، ومن ثم لم تكن الإجراءات التي اتخذها عدد من الدول الأوروبية لوقف تمدد تيارات الإسلام السياسي من قبيل المصادفة، كونهم أدركوا حجم التغلغل الأصولي وخطورته في تغيير النمط السلوكي والفكري للدوائر الاجتماعية الأوروبية.
 
كانت الجاليات والأقليات العربية والإسلامية في مرمى المخطط "الإخواني"، خلال عملية الاختراق الغربي، إذ إنها الأداة الأكثر تأثيراً وفاعلية في الوصول للدوائر المجتمعية والسياسية الأوروبية، لسهولة توظيفها ضمنياً في نشر مرتكزاتها وأدبياتها العقائدية، وتحقيق مشروع الهيمنة على الغرب، وفقاً للكثير من الوثائق المسربة أو المضبوطة من قبل الأجهزة الاستخباراتية منذ تسعينات القرن الماضي.
 
سعياً في امتلاك مفاتيح وأدوات مرحلة "التمكين"، عملت جماعة "الإخوان" تحديداً، على ضرورة التوسع في إنشاء المساجد والمراكز والمؤسسات والمدارس الإسلامية، في محاولة لتغيير هوية المجتمعات الغربية، التي وصفتها بأنها تتعايش على أصول ومبادئ الجاهلية.
في المقابل تم تشكيل مجموعات وكيانات وأحزاب تحمل مرجعيات اليمين المسيحي المتشدد، وتوظيفها للجوانب التاريخية والعسكرية لقادة الغرب أمثال فيليب الثاني، و‌ريتشارد "قلب الأسد" ملك إنكلترا، والبابا أوربان الثاني، وبوهيموند، وغودفري، وتانكرد، وبطرس الناسك، في ظل تعبئة جماهيرية تدعو لوصف المهاجرين المسلمين بالغزاة الجدد، الساعين إلى تبديل وتغيير هويتهم الغربية والتأثير في مرجعاتهم المسيحية، ما أدى إلى بلورة فكرة الانتقام والثأر التاريخي لدى الكثير من الطبقات الأوروبية.
 
شهدت مرحلة التسعينات من القرن الماضي، توسّع جماعة "الإخوان" في تكوين المؤسسات الأصولية في أوروبا، وتم إنشاء اتحاد المنظمات الإسلامية ليكون واجهة للتنظيم الدولي لـ"الإخوان"، وضم أكثر من 500 منظمة بدول الاتحاد الأوروبي وخارجها.
 
كانت باكورة مخططها تدشين ما سمي بـ"التنظيم الدولي" والتمركز به داخل أوروبا، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي أيضاً، مثل جمعية الوقف الإسلامي بأميركا الشمالية عام 1973، والمجتمع الإسلامي لأميركا الشمالية (ICNA) 1982، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (CAIR) 1994، والجمعية الإسلامية الأميركية (MSA) 1993، والمجمع الفقهي بأميركا الشمالية، و"مؤسسة الأرض المقدسة".
 
*كاتب مصري، وباحث في شؤون الجماعات الأصولية
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم