إعلان

اعتداء أذرع ايران على الكاظمي قوّاه وعزّز فرص عودته

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
مصطفى الكاظمي
مصطفى الكاظمي
A+ A-
إرسال ثلاث طائرات مسيرة ومفخخة إلى منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يتعدى التحذير والتهديد، ويستهدف الخلاص منه سياسياً وجسدياً.
 
 الكاظمي الذي استطاع خلال سنة ونصف إعادة هيبة الدولة العراقية، وإحياء مفهوم السيادة الوطنية، وبعث القومية العراقية العربية بأعراقها ومذاهبها ومكوّناتها المتعددة، عطّل مشاريع الذين يعملون على جعل العراق مسرحاً لأعمال الفوضى والعنف وملحقاً تابعاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية. 
 
يصنّف الكاظمي شخصية توافقية مؤيدة من الكتل السنية والكردية والشيعية، عملت لانبعاث الدولة العراقية الوطنية وحصر السلاح في يد الجيش النظامي. منذ تبوئه رئاسة الوزراء، حاول الكاظمي تصويب العلاقات العراقية الإيرانية على أسس الندية والاحترام المتبادل بين دولتين جارتين وشعبين تربطهما أواصر القربى والدين والثقافة. لكن إيران خلال عقدين من الزمن، دأبت على اعتبار العراق خاصرتها الرخوة وحديقتها الأمامية لتصدير ثورتها الإسلامية الخمينية، وامتداداً لنفوذها السياسي والديني والاقتصادي، ما أثار غضب ملايين العراقيين ونقمتهم، والشيعة تحديداً، ودفعهم للنزول إلى الشوارع في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 في انتفاضة عارمة كاسحة للأجيال والمناطق والمذاهب والأعراق، مطلبها الأساسي استعادة الدولة وكرامة الوطن. 
 
تحديات إيران عبر أذرعها في الحشد الشعبي التي حوّلت التظاهرات السلمية عن مسارها، واستعملت السلاح للتخويف والرعب عبر مسلسل اغتيالات وملاحقة ناشطين، أدت إلى سقوط 600 شهيد وشهيدة، والى ثلاثين ألف معتقل ومئات المفقودين. الثورة طالبت بنبذ المحاصصة الطائفية والحزبية، والخلاص من المنظومة السياسية الحاكمة التي وضعت مصالحها الشخصية والفئوية فوق كل اعتبار، وارتهنت للخارج وقبلت هيمنته بمقايضة فسادها المالي وتعيين محازبيها وأنصارها في الوظائف. الثورة طالبت بخروج الجيوش الأجنبية من العراق ومنع التدخلات الخارجية وإجراء انتخابات نيابية...
 
ثورة الشباب فرضت التغيير الذي ولد ببطء وبالتدريج، لأن لا أوهام بسرعة تغيير الأحوال وسهولتها في العراق. التغيير جاء نسبياً متواضعاً وخجولاً. المهم أنه بدأ وتباشيره انطلقت. غضب الناس ووجعهم لم يعودا مكتومين. عقدة الخوف انكسرت، والناس تشجعت وعبرت علناً في انتخابات 10 تشرين الأول الماضي عن رفض الواقع الميؤوس منه، وعن الحنين لرؤية عراق معافى مستقل ووطني. الحراك أثبت وجود يقظة عراقية وطنية صادقة عابرة للأجيال والأعراق والمذاهب، أدت إلى هزيمة مرشحي الحشد الشعبي النكراء والانكفاء الى 17 مقعداً بدلاً من 47، ما أثار غضب بعضه واتهامه الكاظمي والمفوضية العليا للانتخابات بالتزوير واللعب بالنتائج.
 
عنوان الذين ارتكبوا جريمة الاعتداء على الكاظمي معروف، ولن يستغرق وقتاً طويلاً اكتشاف أسمائهم ومحاكمتهم. الدولة العراقية تعرف فرق الموت هذه التي تستهدف قلب الطاولة على إنجازات الحكم الرشيد الذي يحاول توحيد المؤسسات وتفعيل الإدارة وتحسين الاقتصاد وتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية. والأهم إعطاء المواطن العراقي الأمل والرجاء بغد أفضل في بلد غني بالنفط والزراعة والمياه، والأهم بقوة بشرية متعلمة. 
 
أصابع الاتهام لم تنتظر التحقيق وتقارير الأجهزة الأمنية، بل صوّبت السهام إلى أنصار الحشد وأصابع إيران الذين نصبوا الخيام وافترشوا الشوارع احتجاجاً على نتائج الانتخابات الأخيرة التي لم تكن في مصلحتهم.
 من حقهم الاعتراض والشك في النتائج وتقديم الطعون. هذا ما فعلوه وما يسمح به القانون. تجاوبت المفوضية العليا للانتخابات ورضخت لإعادة العد يدوياً للأوراق مرتين، وجاءت النتائج مطابقة للعد الإلكتروني. 
 
خسارة الحشد الشعبي في بغداد والبصرة وغيرهما تتحمل مسؤوليته السياسة الرعناء، والتصرف اللا مسؤول للفصائل التي هالتها خسارة المقاعد النيابية، وخسارة المنافع والمكاسب، فقررت اتّباع سياسة حافة الهاوية لتخويف الكتل الرابحة بأنها قادرة على تعكير الهدوء، ومنع سير شؤون الدولة كما يجب للانصراف الى مواجهة القضايا الحياتية والاقتصادية الملحة. 
 
محاربة الكاظمي واستهدافه سياسياً وجسدياً متوقعان، لأنه قطع الطريق على أنصار إيران لتحويل العراق محافظة إيرانية جديدة. لم يتخلّ الرجل عن التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية. أول زيارة له بعد انتخابه كانت لطهران لطمأنة المسؤولين الإيرانيين الى حسن نياته، والى أنه مستعد لانتهاج سياسة حسن الجوار والقربى التي تجمع الشعبين العراقي والإيراني. 
إيران لا تريد للعراق أن يكون سيداً بل تابعاً لتوجيهاتها ورافداً لاقتصادها، حيث 40% من المواد الاستهلاكية التي يستوردها العراق تأتي من إيران.
إيران في العراق كما هي في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن، تريد أن تحكم هذه البلاد بقوة السلاح الذي توزعه على أنصارها ومحازبيها، تأكيداً لهيمنتها على المحيط وبسط نفوذها لبيعها ورقة على طاولة المفاوضات مع أميركا وأوروبا وروسيا، باعتبارها دولة عظمى في الشرق الأوسط وصاحبة القرار في أربع عواصم عربية كما تدّعي. 
 
الكاظمي بدبلوماسيته الناعمة وشخصيته التوافقية أيقظ شعور المواطنية العراقية. تجاوبت الجماهير، لا سيما الشباب، مع نداء "نريد وطناً". فعمّت الشوارع والساحات صيحات الأجيال الصاعدة التي تبحث عن مستقبل وعمل وطمأنينة، بعيدة من الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية ونظام صدام البائد. الشباب لا ينتمي إلى ماض انتهى.
 
أذرع إيران وأجهزتها واستخباراتها كانت بالمرصاد لطموحات الشباب، فحصدت 600 شهيد بكواتم الصوت والاغتيالات. حتّمت على حكومة كاظمي فتح تحقيقات والبحث عن الخباة ومحاكمتهم. 
 
الكاظمي أعاد العراق إلى الحضن العربي، وأقام تفاهمات وعلاقات مع المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ولبنان ودول الخليج، الأمر الذي أزعج إيران لأنها تريد حصر العراق بها وبمشاريعها والحد من إمكان لعبه أي دور إقليمي. تفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية وعقد اتفاقات استراتيجية، وتم التوافق على مغادرة القوات الأميركية العراق في آخر هذه السنة، مع الإبقاء على تعاون لوجستي وعدد محدود من المستشارين العسكريين والمدربين للجيش العراقي. 
 
نتائج انتخابات 10 تشرين الأول شكلت صدمة وخيبة كبيرة لأذرع إيران. إذ لأول مرة في أربع دورات نيابية تتهاوى شعبيتها وتصغر الكتل البرلمانية المؤيدة لمصالح إيران وتوجهاتها. إيران وفصائلها ترفض اللعبة الديموقراطية ونتائجها، والتسليم بالهزيمة والتحول معارضة سياسية داخل البرلمان وخارجه. 
قادة الحشد الشعبي وعناصره اتهموا مفوضية الانتخابات والكاظمي شخصياً بأنهم وراء هزيمة مرشحيهم، واحتجوا على النتائج، واحتلوا مداخل المنطقة الخضراء لأيام وأسابيع، بانتظار نتائج الطعون التي لم تعجب المحتجين، فالتجأوا الى العنف واستعمال الطائرات المسيرة لقتل الكاظمي والحيلولة دون تكليفه مرة ثانية، علماً أن كتل الصدر والحلبوسي والأكراد والمستقلين اجتمعت وأجمعت على تأييد الكاظمي لمنصب رئاسة الوزراء الجديد. 
 
"إن الضربة التي لا تقضي عليك تقوّيك". خرج الكاظمي أقوى مما كان، إذ جاء التنديد الدولي والغربي عارماً، مع الدعاء له بالعمر والنجاح في مساعيه للاستمرار في ضبط إيقاع التوازنات المحلية والإقليمية لمنفعة الدولة العراقية والعراقيين، وإكمال المهمات التي نذر نفسه لها: تحسين الاقتصاد، توحيد المؤسسات، تنظيم الجيش والأجهزة الأمنية، ووضع حد للفساد والنهب اللذين سادا طيلة السنوات الماضية.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم