إعلان

المستعمر الفرنسي والـ"أنديجان"

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
A+ A-
تعاملت فرنسا بصلف وكبرياء وغرور استعماري مع بلدان تونس والجزائر والمغرب حين اتخذت قراراً من طرف واحد، ومن دون التنسيق مع هذه البلدان، يقضي بالتخفيض من نسبة التأشيرات الممنوحة لمواطني هذه الدول للدخول إلى الأراضي الفرنسية، وأحاطت ذلك القرار بهالة إعلامية استثنائية. وسبب هذا القرار المفاجئ والغريب، بحسب باريس، هو عدم تعاون حكومات هذه البلدان الثلاثة في إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستقبال المواطنين المغاربيين المقيمين في بلد فولتير والذين تعتزم فرنسا ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.
 
ولأن اختلفت ردود أفعال الحكومات المغاربية من هذا القرار الأحادي للمستعمر السابق الذي استنزف هذه البلدان لعقود طويلة ولا يزال، إلا أن هناك شبه إجماع شعبي على أن هذه القرارات كانت ظالمة لمواطني البلدان المغاربية ولم تراعِ عند اتخاذها الروابط التاريخية والحضارية التي تجمع فرنسا بهذه الدول. كما تغافلت فرنسا برأيهم، عند اتخاذ هذا القرار، عن المنافع التي جنتها من نهب ثروات هذه البلدان الثلاثة خلال الفترة الاستعمارية وبعدها. كما غضت باريس الطرف عن تضحيات مواطني هذه البلدان الذين قاتلوا إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية وخلال حرب الهند الصينية دفاعاً عن فرنسا، وأفنوا حياتهم في سبيل أن ينعم الفرنسيون بالحرية والحياة الكريمة.
 
لقد بدت فرنسا ناكرة لجميل البلدان المغاربية غير مبالية بتضحياتهم وبالأضرار التي خلفتها لهم في مختلف المجالات بما في ذلك الإذلال الحضاري الذي طاولهم والذي يصعب محوه رغم الاستقلال ومرور الزمن. لقد كانت باريس تأخذ خيرة شباب هذه البلدان قسراً، في الزمن الاستعماري الغابر، وتمنعهم من إكمال تعليمهم وتلحقهم بالخدمة العسكرية في جيشها الاستعماري. كما أنها كانت تضعهم خلال المعارك في الصفوف الأمامية في مواجهة مباشرة مع أعدائها في الحربين العالميتين وفي حرب الهند الصينية.
 
ويرجع البعض ظلم القرار الفرنسي إلى عدم مراعاته للظرف الاستثنائي الصحي الذي تمر به هذه البلدان المغاربية التي ما زالت تعاني من تفشي فيروس كورونا وهو ما يجعل تفاعلها مع قرارات ترحيل مواطنيها من المهاجرين غير الشرعيين شبه مستحيل. وقد كان على باريس الانتظار حتى يتم فتح الحدود وتعود الحياة إلى نسقها الطبيعي لتتم الإستجابة إلى طلباتها بشأن هؤلاء. فالجزائر مثلاً اغلقت حدودها بالكامل منذ تفشي الجائحة ولم تقم بفتحها تدريجياً إلا خلال هذه الصائفة ومع ستة بلدان لا غير، فكيف لها أن تستجيب لطلبات فرنسا خلال الفترة الماضية؟
 
ولعل ما زاد الطين بلّة هو ادعاءات باريس غير المقنعة أن الذين سيرحلون هم متطرفون إسلاميون وجبت مغادرتهم في أسرع وقت، لكن الثابت أنهم في الأغلب أشخاص ليست لديهم وثائق إقامة لا غير. كما أن بعض هؤلاء يعملون في فرنسا ولديهم عائلات ينفقون عليها ولا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بالإرهاب والتطرف وفق تأكيد جهات فرنسية نافذة، وهو ما يعني أن باريس لم تراعِ الجوانب الإنسانية المتعلقة بهذا الملف وما زالت تتعامل بفوقية المستعمر مع من كانت تسميهم "الأنديجان" أو الأهالي.
 
وبالتالي فإنه من المرجح أن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الرغبة في ترحيل هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، وخفض نسبة التأشيرات الفرنسية الممنوحة لشعوب البلدان المغاربية، هي انتخابية بحتة. فالرئيس ماكرون يبدو أنه يفكر في الانتخابات التي اقترب موعدها وفي كسب أصوات مناصري اليمين المتطرف في فرنسا وسحب البساط من تحت أرجل ماري لوبان وأتباعها.
 
ولعل تصريحات بعض قادة غلاة اليمين تؤكد أن ماكرون يوظف ملف المهاجرين ليأخذ من الخزان الانتخابي لليمين المتطرف، وهو ما يطرح تساؤلات عدة لعل أهمها ذلك المتعلق في إمكان خسارة ماكرون بهذا السلوك المستفز للمهاجرين لأصوات الفرنسيين من أصول مغاربية في الاستحقاق الانتخابي القادم وهو الطامح إلى ولاية رئاسية ثانية؟ ألهذه الدرجة يستهين ساكن الإليزيه بأصوات هؤلاء؟
 
يبدو أن ساكن الإليزيه لا يقيم وزناً للجاليات المغاربية التي فشلت طيلة عقود من التواجد على الأراضي الفرنسية في تكوين لوبيات قرار داعمة لها تضغط من خلالها على المرشحين الرئاسيين. ويبدو أن ماكرون سيتجه في أفضل الحالات إلى تعيين بعض المغاربيين الذين نسوا أصولهم فنسيتهم وذلك للإشراف على حملته، أو في مناصب حكومية مثلما فعل ساركوزي سابقاً بتعيينه لرشيدة داتي ذات الأصول المغربية على رأس وزارة العدل، وذلك من أجل كسب أصوات الجاليات المغاربية.
 
ويرى البعض أن ما يمكن أن يردع ماكرون، الذي استهدف بقراره طلبة علم ورجال أعمال وأساتذة جامعيين يحاضرون في الجامعات الفرنسية وغيرهم، هو المواقف الصارمة للبلدان المغاربية وتحديداً الحكومات المطالبة بالدفاع عن مصالح شعوبها. ولأن كان رد الفعل التونسي دون المأمول بالنسبة إلى البعض وذلك مراعاة لحاجة الخضراء في الوقت الراهن إلى القروض والهبات الأوروبية، فإن رد الفعل الجزائري كان قوياً وصارماً، حيث انتقد الجزائريون بشدة القرار الفرنسي باعتباره حصل من دون تشاور معهم واعتبروه غير مقبول خصوصاً مع الضجة الإعلامية التي حصلت بسببه والتي رأوا أنها مفتعلة.
 
كما وصل الأمر بوزارة الخارجية الجزائرية إلى حد استدعاء السفير الفرنسي في الجزائر للاحتجاج على هذا القرار الأحادي الجانب، الذي يمس برأي الجزائريبن بـ"نوعية وسلاسة تنقّل الرعايا الجزائريين باتجاه فرنسا". وهو ما دفع على ما يبدو بماكرون إلى إطلاق تصريحات معادية للجزائر انتهت بغلق الجزائر لمجالها الجوي في وجه الطائرات الفرنسية في قرار جريء لا يقل جرأة عن قرار سابق اتخذه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا عام 1961.
 
ويعتبر المجال الجوي الجزائري ورقة ضغط مهمة جداً يمتلكها بلد المليون شهيد باعتبار أهمية المرور عبر الجزائر اختصاراً للمسافة بالنسبة إلى الطائرات الفرنسية المتجهة صوب القارة السمراء أو القادمة منها. وبالتالي فقد أصبح لزاماً على الفرنسيين أن ينزلوا من "صهوة جيادهم ويتخلوا عن جناحهم اليميني الاستعماري المتطرف" على رأي الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، ويدركوا أن عصر السيد الأبيض والـ"أنديجان" قد ولّى إلى غير رجعة وبات لزاماً عليهم أن يحترموا الشعوب حتى وإن تعلق الأمر بمواطني مستعمرات سابقة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم