إعلان

عطسة ترامب وزكام العرب!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الرئيس الاميركي دونالد ترامب
الرئيس الاميركي دونالد ترامب
A+ A-
استشرت خبيراً مالياً في أحد المصارف السعودية عن اسهم محلية لشرائها، فرد عليّ: قبل أن انصحك أخبرني أولاً، كمحلل سياسي، من تعتقد سيكسب الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ أجبته: دونالد ترامب! وشرحت له الأسباب. قال: وهل ستراهن على هذا الرأي بمالك؟ أجبت: طبعاً لا! فهذا توقع وليس نبوءة. هز رأسه مبتسماً، وقال: إذاً أنصحك بالتريث! فما يحدث في واشنطن يؤثر في أسواق العالم، ومن يفوز بالبيت الأبيض سيحدد مسار مؤشرات البورصات العالمية والنفط والذهب.
 
وفي رأيه، ورأي من استشرتهم بعده، ومنهم المدير العام السابق لأحد أكبر البنوك العربية، أن فوز الرئيس الجمهوري سيرفع مؤشر الأسهم الأميركية بمئات النقاط وكذا قيمة المعادن الثمينة والعملة الأميركية. والعكس صحيح إذا فاز المرشح الديموقراطي جو بايدن. والدليل هبوط المؤشرات والأسعار بعد إعلان مرض ترامب، وارتفاعها بمجرد إعلان زوال الخطر وعودته الى عمله. 
 
سبب ذلك هو أن الجمهوريين الرأسماليين هم الأقرب الى قلب الشركات والأعمال والأثرياء، أما الديمقراطيون فهم الأكثر ميلاً الى صف الطبقات المحدودة الدخل والمستهلكين والأكثر فرضاً للضرائب لدعم الخدمات الحكومية المجانية. والرئيس ترامب كرجل أعمال سابق، كان من أكثر الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة دعماً لقطاع الأعمال وحرصاً على تفوق الاقتصاد الأميركي وخدمة للمستثمرين داخل البلاد وخارجها. 
 
ولكن ما علاقة ذلك بالاقتصاد العالمي؟ الإجابة باختصار أنه عندما تعطس أميركا يصاب العالم كله بالزكام. فالاقتصاد الأميركي هو الماكينة التي تقود قطار الاقتصاد العالمي، تتسارع فنسرع وتتباطأ فيتأخر الجميع. ففي عام 1929، شهدت البورصة الأميركية يوم 24 تشرين الأول (أكتوبر) (الخميس الأسود) انهيارها الأعظم منذ تأسيسها، بعد طرح 19 مليون سهم للبيع في وقت واحد. وأدت المضاربات الى خسارتها، فأفلست البنوك لعجز عملائها عن سداد الديون، وجر ذلك الى فشل الشركات الصناعية والزراعية وخسارة الوظائف وهجرة السكان الى المدن بحثاً عن فرص العمل. خسر مؤشر داو جونز نصف قيمته ولم يعد الى مستواه إلا بعد عشرين عاماً، وتسبب ذلك في مرحلة كساد أميركية ودولية استمرت أربع سنوات. 
 
تكرر ذلك في "الاثنين الأسود" عام 1987 عندما انهار المؤشر نفسه بنسبة 6،22 في المئة وأيضاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، فتأثرت أسواق العالم ولكن لفترات أقصر. وفي آب (أغسطس) 2008، أدت أزمة الرهن العقاري الى تخفيض قيمة المنازل وانهيار كبرى المؤسسات المالية التي تقدم القروض العقارية. وأدى تدخل الحكومة الأميركية لإنقاذ الشركات والبنوك الكبرى بطبع أطنان الدولارات الى هبوط سعر العملة إلى أدنى مستوى في تاريخها، وارتفاع معدل التضخم وهبوط النفط من 147 الى أقل من 50 دولاراً للبرميل. وامتدت آثار هذه الأزمة لتنال من اقتصاديات العالم وكبريات شركاته من أميركا اللاتينية وكندا الى أوروبا والصين وحتى أستراليا. وأصاب العرب ما أصاب غيرهم، فتأثرت اقتصاداتنا بهبوط أسعار النفط والدولار وتباطؤ عجلة الآقتصاد العالمي، ورأينا كيف تحقق عجز كبير في ميزانيات خليجية كانت تنعم بفوائض عاليه، وانهارت مشاريع عقارية كبرى في الحواضر الخليجية نتيجة لانخفاض السيولة المالية وتشدد سياسات الإقراض وعزوف المشترين. 
 
اليوم تواجه أميركا والعالم معها تداعيات جائحة كورونا التي أوقفت حركة النقل والصناعة والأعمال في العالم كله، من دون أستثناء. وانخفضت بذلك اسعار النفط والمعادن والسلع فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى درجة أثرت في الإنفاق الاستهلاكي والدعم الحكومي للخدمات ومشاريع البنية التحتية. ولأن العالم العربي جزء من هذه المنظومة الاقتصادية، ولأن أكثر اقتصاداتنا تقوم على تصدير المنتجات الخام من النفط والمعادن الى القطن والزيتون، وتعتمد على التجارة والاستيراد للمنتجات الاستهلاكية، فقد كان التأثر كبيراً وملموساً. فأميركا تقود العالم الصناعي، والعالم الصناعي يقود العالم الاستهلاكي ونحن معه.
 
سأل أحد الصحافيين قبل سنوات وزير النفط السعودي السابق، أحمد زكي يماني، في ديوانية ثقافية، من يجب علينا أن ندعو له بالفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ فرد الوزير المخضرم: ادعُ للعرب أن يتخلصوا من الاعتمادية على العجم! 
 
ما زلت أسترجع هذه الإجابة وأنا أنظر لحال الأمة اليوم. فما زلنا منذ الاستقلال نعيش في عهدة المستعمر. وما زال كثير من دولنا، بخاصة في الخليج، تسعى جاهدة الى التخلص من الاعتماد على تصدير المواد الخام الى تصنيعها، ومن استهلاك التقنية الأجنبية الى ابتداعها، ومن هجرة العقول الى تنميتها واستقطابها. ورغم كل ما تحقق، لا تزال المسافة بعيدة الى الهدف المنشود، بخاصة في الدول الأكثر احتياجاً والأقل حظاً وامناً واستقراراً. 
 
رأس المال جبان، ولن تجتذب القطاعات التنموية العربية الاستثمارات الأجنبية، أو حتى المحلية، كما فعلت الصين مثلاً، من دون إنهاء الصراعات والنزاعات البينية، والهيمنة الفارسية والعثمانية على بعض بلدانها، والتدخلات الأجنبية في شؤونها. كما أننا بحاجة الى إحياء مشروع السوق العربية المشتركة على نسق السوق الأوروبية والسوق الآسيوية والسوق اللاتينية والسوق الخليجية، وغيرها من الأسواق الإقليمية المشتركة. فالتحالفات مع كبرى اقتصادات الغرب والشرق أمر طبيعي، ولكن في المقابل من الضروري موازنة ذلك بحلف عربي قوي، يضم بلداناً بموارد مالية وصناعية وزراعية ومعدنية ونفطية كبيرة، يكمل بعضها بعضاً. ولنفعل ذلك قبل أن تأتي عطسة أخرى لرئيس أميركي آخر، فنصاب بالكورونا هذه المرة .. أو ما هو أسوأ! 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم