إعلان

ليبيا... مخاض عسير نحو الاستقرار

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
المجلس الرئاسي الليبي
المجلس الرئاسي الليبي
A+ A-
يبدو أن الطريق نحو الاستقرار في ليبيا ما زال طويلاً ومحفوفاً بالكثير من المخاطر رغم أهمية ما تحقق في الأشهر القليلة الماضية من توحيد للسلطة التنفيذية ونيل المجلس الرئاسي والحكومة المنبثقين عن الحوار الوطني الذي رعته الأمم المتحدة، ثقة البرلمان. وبالتالي فقد نالت هذه السلطة التنفيذية، الشرعية البرلمانية التي لم تنلها حكومة فائز السراج السابقة التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات، وباتت هذه الحكومة الجديدة ومجلسها الرئاسي يتمتعان بكل الصلاحيات للسير بليبيا إلى بر الأمان.
 
ولعل الإخفاق في الوصول إلى اتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات في موعدها نهاية هذه السنة، والذي حصل بين الفرقاء الليبيين مؤخراً في جنيف، يؤكد هذا الاتجاه ويدفع بالجميع إلى مزيد من بذل الجهد ليصل هذا البلد الغني والمترامي إلى بر الأمان. فليس من مصلحة أحد أن تنهار العملية برمتها وتعود ليبيا إلى مربع العنف خلال الحرب الأهلية، الذي عاشته خلال العشرية الأخيرة ولم تتخلص من مخلفاته إلى اليوم والتي لا تزال أسبابه قائمة ولم يقع التخلص منها بعد.
 
ورغم أن التصريحات الرسمية تؤكد أن سبب الفشل في حوار جنيف يعود إلى عدم الاتفاق حول الأولويات في ما يتعلق بكل من تعديل الدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات، أي ما الذي يجب أن يسبق في الزمن ويتم إعطاؤه الأولوية، إلا أن السبب الحقيقي للفشل هو الاختلاف الحاصل حول اللواء خليفة حفتر، المثير للجدل، وإمكان ترشحه لرئاسة الجمهورية، حيث يرغب أنصاره في أن لا توضع شروط مسبقة تعوّق ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما يصر معارضوه على وضع شروط تحول دونه والترشح على غرار الاستقالة من قيادة الجيش والتخلي عن الجنسية الأجنبية، إضافة إلى شرط آخر يصر البعض على وضعه على غرار ضرورة مثوله أمام القضاء للتأكد من عدم ارتكابه جرائم.
 
ويبدو الشرط الأخير الذي يصر عليه خالد المشري، القيادي "الإخواني" المستقيل من الجماعة ورئيس المجلس الأعلى الليبي، شرطاً تعجيزياً ولا مبرر له باعتبار أن حفتر كان يتحرك خلال الفترة الماضية في إطار الشرعية المستمدة من البرلمان المنتخب الذي كان يرابط في طبرق بعد أن منعت عنه الميليشيات "الإخوانية" والتكفيرية عقد جلساته في طرابلس.
 
والغريب أن الأطراف التي تصر على هذا الشرط متورطة إلى حد النخاع في جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان ولم تسلم من بطشها حتى جدران ومرافق مطار طرابلس الدولي الذي تم تحويله إلى خراب في وقت ما في معارك هؤلاء مع مقاتلي الزنتان الذين سيطروا في وقت ما على هذا المطار وحافظوا على أمنه واستقراره.
 
وحتى على افتراض أن هناك انتهاكات وجرائم حرب حصلت من حفتر بناء على تلميحات المشري، فإن التوافقات التي تحصل بعد الحروب الأهلية تقتضي الإنخراط في مسار للعدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقائق واعتذار الجلاد للضحية التي يجوز تعويضها عما طاولها من انتهاكات لتحصل المصالحة في خاتمة هذا المسار بعد إصلاح أجهزة الدولة. كما أن بعض البلدان طوت صفحة الانتهاكات من دون تتبّع هذا الطرف ولا ذاك وتطلعت إلى المستقبل واعتبرت أن الكل أخطأ خلال الحروب الأهلية والكل سيصلح خطأه بالانخراط في عملية بناء وطنه الذي يحتاج إلى جهود الجميع.
 
وبالتالي يبدو أن فرقاء الأزمة في ليبيا، أو من يصرون على إثارة هذه الملفات من "الإخوان"، لم يطلعوا على التجارب المقارنة الناجحة للاستفادة منها، وهي تجارب فكر أصحابها في كل السيناريوات الممكنة، بما في ذلك الانتقام وتحميل طرف بعينه المسؤولية من دون الباقين، ووجدوا أن الحل الأمثل لحقن الدماء وتسريع عملية إعادة بناء الأوطان يكمن في طي صفحة الماضي، لأن هذه الصفحة لو بقيت مفتوحة فإن "الإخوان" أول من سيكتوي بنارها بالنظر إلى الحجم المهول للانتهاكات التي ارتكبوها في الغرب الليبي حتى قبل استقالة خالد المشري من الجماعة وهي موثقة لدى المنظمات الحقوقية على غرار ما حصل في سجن الرويمي من جرائم بشعة يندى لها الجبين.
 
ورغم تفاؤل البعض في إمكان إجراء الانتخابات في موعدها إلا أن ما يتراءى للعارفين بالشأن الليبي، بناء على ما حصل في جنيف، أن الإستحقاق الانتخابي لن يجرى في الأجل المحدد وأن فرقاء الأزمة الليبية بجاجة إلى جولات عديدة طويلة وشاقة للوصول إلى اتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات. كما أن الخارج، الذي يدين له الفرقاء بالولاء، مطالب بالضغط، كل على تابعه، لحلحلة الأوضاع وعدم تأخير الانتخابات كثيراً باعتبار أن أسباب العودة إلى الاقتتال ما زالت متوافرة.
 
فالميليشيات لم يقع حلها بعد، وقطع السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف منتشرة في ربوع البلد من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، وبعض القوى الخارجية ما زالت تتربص بالبلد باعتبار أن التفاهمات الأممية الأخيرة لم ترضِ نهمها وما زالت تطمع في المزيد. وتستفيد هذه القوى على ما يبدو من الفوضى وترتبط مصالحها باستمرارها ويزعجها أن تجرى الانتخابات ويعم السلم الذي سيؤدي بالجميع إلى مطالبتها بسحب جيوشها المرابطة في البلاد.
 
وتأتي تركيا في طليعة هذه القوى التي يتعارض السلام في ليبيا مع مصالحها التي انبنت على إخافة الليبيين من بعضهم البعض والسيطرة على الغرب من خلال التيار "الإخواني" الذي مكّنها في الأرض ومنحها أكثر مما كانت تحلم به وربط مصالحه بها. كما أن واشنطن التي اتهم مبعوثها الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند أعضاء الحوار الليبي بعرقلة إجراء الانتخابات في البلاد في موعدها من خلال السعي إلى إطالة العملية الدستورية بخلق شروط جديدة لإجراء الانتحابات، لا تدفع باتجاه الحل وهي التي منحت الضوء الأخضر لدخول القوات التركية إلى ليبيا، ولولاها لما تجرّأت أنقرة على فعل ذلك. وبالتالي، وعوض التباكي على بلد عمر المختار واتهام فرقاء الداخل بالعرقلة من دون سواهم، كان حرياً بها الضغط على حليفتها لتغادر قواتها الأراضي الليبية غير مأسوف عليها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم