إعلان

ليان: "وإذا الموؤودةُ سُئلت بأي ذنبٍ قُتلت؟"

المصدر: النهار العربي
فيصل ج. عباس
فيصل ج. عباس
الطفلة ليان طاهر محمد
الطفلة ليان طاهر محمد
A+ A-
من سوى إرهابي عديم الرحمة، يتعمّد إطلاق صاروخ على محطّة وقود ويودي بحياة ما لا يقلّ عن 17 شخصاً؟ ومن غير مجموعة من المتوحّشين الذين يتبنّون أيديولوجيّة شريرة، يُطلق صاروخاً آخر على سيارة إسعاف هرعت إلى المكان لإنقاذ الناجين إذا ما وُجدوا؟

 في وقت يمكن حتماً لمن يتابع الأخبار ويقرأ التاريخ منّا تسمية عدد من الجماعات المتطرّفة القادرة على ارتكاب مثل هذه الجرائم الفظيعة، إلا أنني أبقى عاجزاً عن الكلام أمام أولئك الذين لا يُدينون هذه الجرائم أو لا يُسمّونها على ما هي عليه: أعمال بربريّة غير مبرّرة تنمّ عن إرهاب مُطلق.

 ربما لا يفعل البعض ذلك لأنهم لا يتعاطفون مع الضحايا أو لأنّهم يعتقدون أن ما يحدث في بلد مثل اليمن، حيث ارتكب إرهابيّو جماعة الحوثي الفظائع التي تكلّمت عنها للتو ليلة السبت، لا يؤثّر في باقي العالم.

 وكان من بين ضحايا يوم السبت الطفلة البريئة ليان طاهر محمد، ابنة الخمس سنوات، التي عانت من مصيبتين خلال حياتها القصيرة جداً. أوّلى هاتين المصيبتين هي أنها لم تكن محظوظةً بما فيه الكفاية لتعيش في بلد أكثر أماناً مثل الولايات المتحدة أو اليابان أو فرنسا. أمّا ثانيتها فهي أنّها وُلدت بعد فترة وجيزة من إطاحة الحوثيين المدعومين من إيران حكومة بلدها الشرعيّة وإشعالهم فتيل حرب وحشيّة وجهنّميّة باتوا اليوم يرفضون إنهاءها. ولا يمكننا أن نعرف كيف كانت لتكون حياتها إذا ما نجت، ولكن من المؤكّد أنّها ما كانت ستكون سهلةً في ظل حكم الحوثيين. فهم لا يتردّدون في تجنيد الأطفال، ويعاملون النساء كمواطنات من الدرجة الثانية (لا عليكم سوى سؤال عارضة الأزياء المختطفة انتصار الحمادي عن هذا الأمر)، في حين أن شعارهم الرسمي يدعو إلى موت كلّ اليهود والأميركيّين.

 هذا ليس بالعمل الإجرامي الأول الذي يرتكبه هؤلاء الحوثيون الوحوش. كما أنها ليست المرّة الأولى التي يفشل فيها العالم في إجبارهم على الامتثال لأبسط المعايير الإنسانية، بل على العكس. ففي بداية هذا العام، بدا الأمر وكأنّهم قد كوفئوا على وحشيّتهم. فبحجة أسباب لوجستيّة مرتبطة بتوصيل المساعدات إلى اليمن، ألغت إدارة جو بايدن قراراً اتُّخذ في عهد الرئيس دونالد ترامب صنف الحوثيين جماعة إرهابية (لا يمكن للمرء سوى أن يتساءل لماذا لم يتم تبنّي المنطق نفسه هذا الشهر في غزة، حيث سمحت الولايات المتحدة بدخول المساعدات إلى القطاع من دون شطب حركة "حماس" عن لائحة الإرهاب).

 وبعد فترة قصيرة من إزالة الحوثيين عن لائحة الإرهاب، هاجموا مطار أبها المدني في المملكة العربية السعودية. وقد تابعوا استهداف المناطق المدنية السعودية بالصواريخ والمسيّرات، وقد استهدف الهجوم الأخير منطقة خميس مشيط في ساعة مبكرة من نهار الأحد. وفي سابقة مروّعة للهجوم الذي استهدف مأرب نهار السبت، أحرق الحوثيون في شهر آذار (مارس) أكثر من 40 لاجئاً إثيوبياً وهم أحياء في مركز احتجاز في صنعاء. وقد وثّقت مجموعات حقوقيّة هذه الفظائع، ولكن كان من المذهل والصادم أنّ أحدًا لم يُعلّق عليها أو يدينها. ويبدو أن اللاجئين أخطأوا بالاعتقاد أن حياة كلّ السود مهمّة، أو Black Lives Matter، في حين أن الظاهر هو ذلك ينطبق فقط على حياة الأميركيين السود الذين قتلوا على يد رجال الشرطة البيض.

ولكن أخيراً، يبدو أن بصيص أمل قد بدأ يظهر بعد هذه السلسلة من الأعمال الوحشيّة للحوثيين، إذ يظهر أن أولئك الذين يشكّكون بطبيعة الحوثيين الحقيقية أو يعتقدون أنّهم يتجاوبون مع بوادر حسن النية قد بدأوا يعودون أخيراً إلى رشدهم.
واتّهم المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن تيم ليندركينغ، الأسبوع الماضي، الحوثيين بالفشل في محاولة التوصّل إلى حلّ للنزاع. وقال إنهم يتحمّلون المسؤولية الأكبر لرفضهم الالتزام بصورة مجدية بوقف لإطلاق النار.

 هذا مُرحّب به بالطّبع، ولكن إذا لم يترافق مع ضغط دولي، سيستمر الحوثيون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتلك التي تستهدف المدنيين في بلدهم كما في المملكة العربية السعودية.

 أمّا بالنسبة الى الطّفلة ليان، فاخترنا عدم نشر الصّورة المروّعة لجثّتها الصغيرة المحترقة. وتخليداً لذكراها، سننشر صورتها كما كانت ستريدنا أن نتذكّرها: طفلة بريئة ومبتسمة. فعلى عكس الحوثيين وأسيادهم الإيرانيين، نحن لا نُمجّد الموت.
... رحمة الله عليك، ابنتي ليان!

 
الكلمات الدالة