إعلان

"فضيحة أميركية" من العيار الثقيل... الأخ الأكبر يراقبكم!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
تجسس أميركي على الأوروبيين
تجسس أميركي على الأوروبيين
A+ A-
في عام 1949 أثار البريطاني جورج أورويل رعب العالم؛ عندما أصدر روايته الذائعة "1984"، والتي تناولت سلطة "الأخ الأكبر" الذي يرى ويعلم ويرصد كل حركة وكل فكرة وكل رأي في المجتمع. بدت الرواية كنبوءة بمستقبل مخيف يهدد خصوصية البشر وأحلامهم ومصائرهم، على أيدي أنظمة تضعهم تحت المراقبة الدائمة. الأسبوع الماضي ثبت أن ما كان "خيالاً روائياً" أصبح "حقيقة مفزعة"، تفجرت فضيحة من العيار الثقيل، تجسست الولايات المتحدة على زعماء ومسؤولي دول أوروبية حليفة لواشنطن، بمساعدة الدنمارك، وتجاوزت "العملية دنهامر" الخطوط الحمراء وأعادت للأذهان تاريخاً أميركياً من التجسس على زعماء العالم، لم يرحم "الأخ الأكبر" الحلفاء؛ فماذا عن المنافسين والأعداء؟ المفاجأة أن غرف "الأخ الأكبر" لم تعد كافية لتحصينه؛ هو نفسه صار عارياً تحت بصرنا، إنه عالم الرعب الأسود، حيث الواقع أغرب من الخيال!.
 
"العملية دنهامر"
كشفت وسائل إعلام أوروبية عن قيام وكالة الأمن القومي الأميركية - بمعاونة المخابرات العسكرية الدنماركية - بالتجسس على زعماء أوروبيين، من بينهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وشخصيات سياسية بارزة، في فرنسا والنروج والسويد، بين عامَي 2012 و2014. بدأت وقائع القضية بعد تسريبات إدوارد سنودن المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية، في عام 2013، حول قيام واشنطن بالتجسس على مواطنين أميركيين ومواطني دول أوروبية حليفة، وذلك من خلال التنصت عبر كابلات الاتصالات والإنترنت البحرية في الدنمارك، والتي تربطها مع السويد والنروج وألمانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا، عبر برنامج طورته وكالة الأمن القومي الأميركية لاعتراض المكالمات والنصوص والبريد الإلكتروني ورسائل الدردشة من الهواتف، وهو ما أكده التحقيق الاستقصائي الذي نشرته هيئة البث الدنماركي "دي آر"، بالتعاون مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، وصحيفة "سوددويتشه زاتيونغ" الألمانية، وقناتي "إن دي آر" و"دبليو دي آر" الألمانيتين، وهيئة البث النروجية "ان أر كي"، وقناة "إس في تي" السويدية، يوم 31 أيار (مايو) المنقضي. وأوضح التحقيق أيضاً أن المخابرات الدنماركية ساعدت الوكالة الأميركية في التجسس على وزارتَي الخارجية والمالية الدنماركيتين. وقد شُيّد مركز تخزين للمعلومات، في منشأة للمخابرات الدنماركية، بمساعدة نظيرتها الأميركية، على جزيرة أماجير جنوب كوبنهاغن، حيث تصل البيانات المسحوبة من الكابلات، قبل تصفيتها وتخزينها. وأوضح موقع "تاغسشاو" التابع للقناة الألمانية الأولى أن الحكومة الدنماركية علمت بهذه الفضيحة، بحلول عام 2015. وأشارت صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أن عملية التجسس الأميركية حملت الاسم الكودي "دنهامر"، تم تنفيذها في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
 
صدمة الحقيقة
أثارت العملية علامات الاستفهام، حول حجم النفوذ والتدخل الأميركي في الشؤون الداخلية لدول أوروبية هي أقرب حلفاء واشنطن وأعضاء في حلف "الناتو" الذي يفترض أنه مظلة أمنية وعسكرية لكل الشركاء، وحول استقلالية القرار السياسي لهذه الدول، بما يشكل تهديداً لأمنها واستقرارها، بعدما باتت مكشوفة لأميركا التي لم تتورع عن توظيف الدنمارك، من أجل زرع الشك بين دول الاتحاد الأوروبي الذي تنظر واشنطن إليه بعين الريبة، بخاصة في عهد دونالد ترامب الذي انخرط في تباينات مع الاتحاد الأوروبي وصلت إلى حد الحروب التجارية.
 
اهتزت العلاقات غير المستقرة أساساً بين شاطئي الأطلنطي، وتوالت ردور الفعل الأوروبية الغاضبة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل اللذين دعوَا الولايات المتحدة والدنمارك، إلى تقديم "توضيحات" بشأن عملية التجسس. وقال الرئيس الفرنسي: هذا غير مقبول بين حلفاء، وبين حلفاء وشركاء أوروبيين، لقد طالبنا شركاءنا الدنماركيين والأميركيين بالمعلومات حول هذه الوقائع، وننتظر الأجوبة. واعتبر سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بون أن التجسس الأميركي على الأوروبيين، بمساعدة الدنمارك، أمر "خطير للغاية". وأيدت المستشارة الألمانية تصريحات ماكرون، وقالت إنها أساس لاستعادة الثقة. وكانت ميركل قد طالبت الرئيس الأميركي الأسبق بوقف "التجسس بين الأصدقاء، فلم نعد في الحرب الباردة". المفارقة أن مجلة "دير شبيغل" الألمانية نشرت وثائق، في عام 2017، أظهرت أن المخابرات الألمانية تجسست على شركات وجهات أوروبية وأميركية، بما فيها البيت الأبيض، ما أحرج برلين.
 
بالنسبة إلى الأوروبيين كان الكشف عن الفضيحة صادماً، لكنها ليست كل الحقيقة؛ فما يتسرب إلى الإعلام، هو قمة جبل الجليد، لا يضاهي المخبوء عبر قنوات الدبلوماسية والأطر الأمنية والاستخباراتية، وقد أعادت العملية "دنهامر" إلى الأذهان فضائح التجسس الأميركية على دول العالم، وأوروبا أبرز ضحاياها، لا سيما عندما استخدمت المخابرات الأميركية شركة سويسرية للتأمين الإلكتروني "كريبتو إيه جي"؛ للتنصت على زعماء 120 دولة تستخدم منتجات الشركة، منذ منتصف القرن الماضي، على نحو ما كشفته صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية!.
 
الشر السائل!
تعد الجاسوسية إحدى أقدم المهن في المجتمعات البشرية المنظمة؛ منذ قرر فرعون مصر تحتمس الثالث إنشاء أول جهاز للمخابرات عرفه العالم، بوصفها ضرورة فطرية للمجتمع، للحصول على المعرفة واستقراء المجهول وكشف أسراره التي قد تشكل خطراً يترصد به في المستقبل. تنوعت طرق التجسس ووسائله بدءاً من الاعتماد على الحواس المجردة والعرافين والتقديرات التخمينية، وصولاً إلى أدوات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والأقمار الاصطناعية. تنظر الدول إلى التجسس والأنشطة الاستخباراتية، بوصفها ضرورة لصيانة مصالح الدولة وأمنها القومي، التي ينبغي أن تظل طي الحماية والكتمان، وإذا تسرب شيء إلى الرأي العام، فذلك دليل أزمة ما ودخان يحجب مصدر النار. ومن ثمّ فإن "العملية دنهامر" تبرز أن العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحالفية في القيم والأهداف السياسية، لكنها تنافسية في الاقتصاد والنفوذ والمصالح. وإذا كان هذا هو تعامل أميركا مع أقرب حلفائها، فكيف تتعامل مع دول مناهضة لسياستها، مثل: الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية؛ إن معنى هذا صراع رهيب بين الحلفاء ناهيك بالأعداء، لامتلاك أسباب القوة والسيطرة، وعلى رأسها التكنولوجيات المتقدمة، بما يجعل العالم أسيراً لمن يحوز أسرارها. أميركا ليست وحدها من يمارس دور "الأخ الأكبر"، يكاد احتكارها للدور ينكسر، يأتي الأخ الأكبر في أكثر من هيئة: برامج تقنية، وكاميرات في كل زاوية لمراقبة الجميع، على أيدي أنظمة لا تتوانى عن تزييف وعي الشعوب، وفرض رؤيتها الخاصة للحق والحقيقة.
 
في روايته، رصد جورج أورويل تحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية، ومن ثمّ سطوة الأنظمة على الشعوب؛ ليصبحوا مجرد أرقام بلا مشاعر أو عواطف، وبلا طموحات أو آمال، فقط يعملون كالآلات، خوفاً من الأخ الأكبر الذي يراقبهم على مدى الساعة، لينالوا رضاه. ولو أن أورويل مد الخيط إلى الوقت الراهن لصدمه تحكم وسائل التواصل وأنظمة التكنولوجيا المختلفة في حياتنا، بما يجعلنا أسرى فعلياً لمن يتحكمون فيها. مستخدم تلك الأنظمة بات سلعة تتصارع أنظمة الحكم على التحكم بها. لقد ألقى أورويل ضوءاً مشعاً في جب عميق تمور بداخله وحوش كثيرة، بمثابة نبوءة دقيقة لما أصبح عليه العالم في ظل فضح خصوصياته ومحاصرته بالمراقبة والتنصت. وإذا كان الروائي البريطاني ينظر إلى تلك الحياة المروعة بدهشة طفل وسخرية رجل، فإن الوصف الأقرب لعالم "الأخ الأكبر" الذي يطاول تجسسه الجميع، ينطبق عليه وصف الفيلسوف البولندي زيغموند باومان، أنه عالم "الشر السائل"، باعتباره عالماً غامضاً يفتقد إلى الوضوح، ويعجز الإنسان عن فهم سبب حدوث الأشياء فيه، وانزياحاتها ومآلاتها المفزعة.
وذلك حديث آخر.
 
الكلمات الدالة