إعلان

القتال حتى آخر جندي أوكراني... حلف "الناتو" أمام الهيمنة أو الانفجار!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
دبابات روسية حول أوكرانيا
دبابات روسية حول أوكرانيا
A+ A-
يقف حلف شمال الأطلسي "الناتو" أمام أحد أخطر الصراعات التي تهدد وجوده. رفعت سياسة الباب المفتوح أمام أوكرانيا وغيرها مستوى الشعور الروسي بالاستفزازات الغربية. ترى روسيا أن توسّع الحلف شرقاً يهدف لحصارها وردعها، وتهدد باللجوء للوسائل العسكرية لردع "الناتو"، محذرة من عواقب وخيمة "غير قابلة للتنبؤ" على الأمن الأوروبي. الحلف الدفاعي غير مؤهل للتعامل مع نزاع بين دولة تسعى لعضويته وقوة نووية كبرى، بخاصة لو انجرف أحد أعضائه كبولندا أو ليتوانيا في الحرب المتوقعة بين موسكو وكييف. إن ما يجري في أوكرانيا أمام أعيننا، هو إحدى جولات اللعبة الاستراتيجية بين الكبار، سيترك بصماته على وجه العالم لأمد طويل.
 
وظائف الحلف
توقع مستشار الأمن القومي الأميركي، جاك سوليفان، أن يجري الغزو الروسي لأوكرانيا عقب انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المقامة حالياً في الصين، أو قبل انتهائها، كاشفاً أن بلاده مستعدة لكل السيناريوات. تصريحات المسؤول الأميركي أثارت علامات استفهام، حول نجاعة الضغوط الغربية الأميركية - البريطانية بالأساس لعرقلة الهجوم الروسي بشكل عملي، وقدرة "الناتو" على الاضطلاع بمهماته، وإن كان يسير في طريق التقدم أم التراجع وربما الانهيار.
 
عند نشأته عام 1949، حدد مؤسسو حلف "الناتو" ثلاث وظائف أساسية: الدفاع عن أعضائه، وضمان الأمن في غرب أوروبا، لا سيما إطفاء العداوات بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ودمج أميركا في الأمن الأوروبي. نجح "الناتو" في مهماته، إلى حين انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق، على "وعدّ شفهي" من جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي آنذاك للزعيم السوفياتي الأخير غورباتشوف بعدم توسع الحلف شرقاً. نكث الغرب بالوعد؛ أخذ الحلف يتمدد، وأصبح على مشارف روسيا مغازلاً أوكرانيا؛ ما ينذر بإشعال حرب مع قوة نووية كبرى وزعزعة الأمن الدولي.
 
في المقابل يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الانتقام من سوء تقدير غورباتشوف الذي لم يطالب باتفاقات ملزمة قانوناً لمنع توسع الحلف؛ فسقطت في فلكه دول البلطيق وسلوفاكيا وسلوفانيا ورومانيا وكرواتيا وألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا. المفارقة أن رغبة "الأطلسي" تبرهن على صحة رواية بوتين، عن "خيانة الغرب" وعدائه لروسيا وسعيه لتفكيكها، برغم تأكيدات المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، أن واشنطن لم تنكث بوعدها لروسيا بعدم توسع "الناتو" شرقاً، لافتاً إلى انتهاج واشنطن منذ زمن طويل "سياسة الباب المفتوح"، وأن "الناتو" "تحالف دفاعي" ويجب أن يكون لديه خيار قبول أعضاء جدد.
 
الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والأمين العام لحلف "الناتو" سابقاً، خافيير سولانا، أوضح أنه مع بدايات القرن الحادي والعشرين صارت روسيا غير مرتاحة بصورة متزايدة لنظام ما بعد الحرب الباردة، بقيادة الولايات المتحدة؛ لأنها تقلص تدريجياً ما تعتبره موسكو "عمقها الاستراتيجي". أشار سولانا إلى تصريح بوتين، في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007: "النموذج أحادي القطب ليس فقط غير مقبول، بل مستحيل في عالم اليوم".
 
كارثة كبرى!
الخبير الاستراتيجي مايكل كيمجاجي شنّ هجوماً لاذعاً، في مقال في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، على السياسات التوسعية لـ"الناتو"؛ مبيناً أنها "كارثة كبرى" على العالم، وقال إنها سياسات قامت على "فرضيات خاطئة"، أضعفت قوة الحلف وأنهكته. فالهيكل الذى تم بناؤه في منتصف القرن الماضي لأوروبا الغربية لم يعد يلائم أوروبا الشرقية في فترة ما بعد الحرب الباردة. زاد كيمجاجي أن "الناتو"  من مخلفات الماضي، ولم يعد يناسب أوروبا في القرن الحالي، لافتاً إلى أن ذلك لا يتعلق بما يقوله بوتين عن الحلف أو تهديداته بشن حرب في أوكرانيا ليفرض عليها الحياد ويوقف توسع "الناتو"، إنما يرجع لعيوب شديدة في تصميم الحلف؛ فامتداده في شرق أوروبا لا يخدم مصالح أعضائه ويزيد حجمه، ويجعله تحالفاً فضفاضاً، يضم 30 دولة تشمل أميركا الشمالية وغرب أوروبا ودول البلطيق وتركيا. وأشار إلى أن توسع عمليات "الناتو" دفعته للتورط عسكرياً، بشكل غامض، في شرق أوروبا وأفغانستان وليبيا... وقد يتورط الحلف في حرب أوروبية عظمى.
 
ترى دول أوروبا الشرقية خصوصاً تلك التي كانت تنضوي تحت لواء "حلف وارسو" المنهار، أن توسع "الناتو" يعنى مزيداً من السلام والتكامل والنظام في أوروبا، والتحوط ضد الأطماع الروسية، وهو أمر لا يبدو محل اتفاق بين دول الحلف، فالخلافات كثيرة وعميقة، و"الستار الحديدي" الذي فرضه الاتحاد السوفياتي أو فُرض عليه، خلال الحرب الباردة، لم يعد له وجود. تذهب دول أخرى إلى أن توسيع الحلف يحفز العداء الروسي وينذر بإشعال حروب لا تحصى على الفوالق الجيوسياسية بين نهايات أراضي دول أوروبا وبدايات الأراضي الروسية... بعض العواصم الأوروبية ترى أن دمج أوكرانيا أو جورجيا يُعد "جنوناً استراتيجياً".
 
وبينما تواصل روسيا حشد قواتها على الحدود الأوكرانية يتفاقم الانقسام في الصفوف الأوروبية. الثلاثة الكبار ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تتخذ قراراتها تجاه الأزمة الأوكرانية من دون تنسيق مع بقية الدول، وفقاً لمصالحها الداخلية أو مصالحها مع روسيا، الأمر الذي أثار غضب دول شرق أوروبا وذبذب ثقتهم بسياسات دول غرب أوروبا وقدرتها على التعامل مع التهديد الروسي. التنافس التاريخي بين فرنسا وبريطانيا، والبريكست، وخلاف باريس مع تركيا ورغبة ألمانيا في الحفاظ على علاقاتها مع روسيا لضمان استمرار تدفق الغاز الروسي في عروق الاقتصادات الأوروبية ... كلها مواقف تقوض بعضها بعضاً، إلى درجة أن بريطانيا أرسلت طائرة محملة بالأسلحة إلى أوكرانيا، متجنبة المرور بالمجال الألماني. تحاول لندن إظهار أنها شريك جاد في "الناتو"، للحيلولة دون استبعادها من منظومة الأمن الأوروبية مستقبلاً، بعد البريكست، وفي المقابل تسعى فرنسا إلى بناء سياسة أمنية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة. تتقارب الرؤى الفرنسية والألمانية تجاه الأزمة الأوكرانية، وفقاً لصيغة "نورماندي"، التي تتوسط فيها فرنسا وألمانيا مع كييف وموسكو، وفي هذا السياق ذهب الرئيس الفنسي إيمانويل ماكرون إلى بوتين في موسكو، أمس، حاملاً أفكاراً من أجل خفض التوتر وتحقيق انفراج في الأزمة، وقد طالبه بوتين بالاستجابة للضمانات التي تطلبها روسيا، وهو ما لا يستطيع ماكرون أن يقدمه في ضوء آليات اتخاذ القرار داخل التحالف الغربي، في حين يلتقي المستشار الألماني مع الرئيس الأميركي جو بايدن للهدف نفسه.
 
إعادة النظر
تعاني القارة العجوز ضعفاً جيوسياسياً ظاهراً، تعتمد على الولايات المتحدة في ضمان أمنها وعلى روسيا في إمدادها بالطاقة، ما يعطي وجاهة لوجهة النظر القائلة إن حل الأزمة الأوكرانية لن يأتي إلا عبر قناة أميركية - روسية. أبلغ بوتين نظيره الفرنسي ماكرون أن الردود الغربية على المقترحات الروسية الأمنية لم تعالج مخاوف موسكو، في حين قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، إن "الناتو" يعتبر روسيا خصمه الرئيسي، مشدداً على أن بلاده ستستخدم "إجراءات عسكرية تقنية" حال شعورها بالخطر على أمنها، وهو ما تشعر به الآن. واعتبر غروشكو أن توسع "الناتو" لن يحل أي قضية في مجال الأمن.
 
ستحدد مفاعيل الأزمة الأوكرانية ملامح "الناتو" في الزمن المقبل، لذلك تتعالى الأصوات المنادية بإعادة تعريف "الناتو" وجدوى بقائه، وإعادة النظر في البنية الأمنية الأوروبية وقدراتها الدفاعية، بخاصة مع تراجع هيمنة الولايات المتحدة عالمياً. اتهم خبراء أوروبيون حلف "الناتو" بالنفاق، وقالوا إن التاريخ سيسجل أن يوم 12 كانون الثاني (يناير) الماضي فضح نفاق الحلف الذي أعلن "عزمه البطولي القتال حتى آخر مواطن أوكراني". دعا هؤلاء الخبراء إلى استراتيجية جديدة للتعامل مع روسيا في أوروبا الشرقية، وقالوا إن الأجدى ليس التصعيد العسكري، إنما "العقوبات الاقتصادية"، لكنهم أشاروا إلى مفارقة لافتة هي أن "العقوبات الاقتصادية" ستوقع أضراراً شديدة بروسيا، تضطرها إلى الارتماء في أحضان الصين ... هكذا تبدو سياسة الباب المفتوح لحلف "الناتو" مصممة لإضعاف الطرفين الروسي والغربي (الأميركي - الأوروبي) وتقوية الأهداف الجيوسياسية الصينية، ما يفتح النوافذ لاحتمالات زوال "الناتو" نفسه من الوجود في الزمن المتوسط أو البعيد!.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم