إعلان

الجامعة الأميركية في بيروت... متجذرة وباقية

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
شجرة التين الهندي الضخمة في حرم الجامعة الأميركية في بيروت
شجرة التين الهندي الضخمة في حرم الجامعة الأميركية في بيروت
A+ A-
يقول المثل الفليبيني أن "ردم النهر الجاري أكثر سهولة من محاولة وقف إشاعة".
 
مقولة قد تنطبق على الإشاعة التي انتشرت الأسبوع الماضي حول شروع الجامعة الأميركية في بيروت، أحد أعرق الصروح التنويرية والتعليمية في الشرق، في الانتقال إلى مدينة دبي ما خلق حالة من الذعر في صفوف خريجي الجامعة والعامة شبيهة بذلك الخوف من قرب قيام الساعة ونهاية العالم.
 
الجامعة الأميركية في بيروت التي تأسست منذ أكثر من قرن ونصف القرن - تحت مسمى الكلية السورية البروتستانتية لخدمة الإنسان وأهالي الشرق - لن تغلق أبوابها، وهي رغم كل التحديات الوجودية والبيئية القاتلة التي أوجدتها الطبقة اللبنانية الفاسدة في لبنان، لن تنقل صفوفها ومركزها الطبي وبحوثها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أو إلى أي بلد شقيق آخر. فالجامعة ليست محل سمانة أو صالوناً لتصفيف الشعر كما هو حال بعض الدكاكين التعليمية التي نشأت حديثاً في لبنان وهي غير قابلة لحزم أمتعتها والانتقال إلى مسرح عمل آخر.
 
لكن كل ذلك لا ينفي مبرر القلق الذي رافق إشاعة الانتقال إلى دبي. فالأزمة السياسية القائمة والسقوط السريع للنموذج اللبناني دفعا بالعديد من المؤسسات التجارية العريقة العاملة في العاصمة بيروت إلى إعلان الاستسلام والانتقال إلى دول الخليج العربي، ولعل آخرها منصة Angahmi للموسيقى اللبنانية والتي تقدر قيمتها بأكثر من 400 مليون دولار أميركي. القائمون على تلك المؤسسة الناجحة آمنوا بلبنان، لكن لبنان خذلهم كما خذل الجامعة الأميركية خلال الحرب الأهلية اللبنانية ودفع بها الى حافة الهاوية قبل أن تنتصر هي ومَن يعمل فيها للبنان.
 
الأزمة الحالية أسوأ بكثير من سابقتها، لا سيما بالنسبة إلى الجامعة الأميركية. فلبنان دُمّر على أيادي طبقة سياسية مارقة متحالفة مع السلاح غير الشرعي وكلاهما ينظران إلى الجامعة كقلعة يجب السيطرة عليها واستغلالها لتقويض ما تبقى من الأصوات الثائرة على نظامهما العنصري.
 
ليس مصادفة أن تتعرض الجامعة الأميركية من دون غيرها لحملات متعددة من قبل أحزاب السلطة التي تحاول، وتحت شعار المطالب العمالية والطالبية المحقة، إرسال رسائل تهديد بالانصياع لمشيئتها الظلامية والامتناع عن تأمين الجو الليبرالي الذي يسمح للبنانيين بالوقوف في وجه الطغاة كما حدث إبان ثورة السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2019 حيث قامت الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية بأخذ موقف صريح وشجاع إلى جانب المواطنين المتمردين على الطغمة الحاكمة.
 
قوة الجامعة ليست بجدرانها وأبنيتها التاريخية بل بقدرتها على اتخاذ الخطوات الشجاعة وغير الشعبوية والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها وهي ثقافة موجودة في مجتمعنا لكن للأسف في شكل خجول. فالجامعة الأميركية التي تُتّهم، مراراً وتكراراً، ظلماً بالانتماء إلى الغرب والسياسة الأميركية، خرّجت على مرّ تاريخها آلاف الأصوات والمقامات التي تنتمي إلى مختلف التيارات السياسية والفكرية، من اليمين المتطرف إلى اليسار الفوضوي. مَن درس في الجامعة أو تفاعل معها يدرك تماماً أن ليس هناك مِن فكر أحادي أو عقيدة واحدة للجامعة بل هي حاضنة لكل الأصوات حتى تلك التي تدّعي العداء للشيطان الأكبر وترسل في الوقت عينه شبانها وشاباتها إلى الجامعة الأميركية، بل وتتعالج أيضاً على أيدي أطبائها وممرضيها.
 
ولِدحْض أي إشاعة حول إغلاق الجامعة الأميركية أو نقلها من بيروت، ليس عليكم سوى زيارة حرم الجامعة على أن تدخلوا من بوابتها الأساسية وتتجهوا يساراً نحو مبنى "الوست هول"، النبض الطالبي للجامعة الذي يتفيأ بشجرة التين الهندي الضخمة - Banyan Tree - والتمعن بشرايين تلك الشجرة العظيمة وجذورها وما تمثله من صمود للجامعة في أرض لبنان.
 
الجامعة الأميركية كتلك الشجرة تماماً لا يمكن نقلها إلى أي مكان، بل ستبقى مكانها، في بيروت، لخدمة لبنان والإنسانية... جامعة باقية وتتجذر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم