إعلان

ما وراء الدعم الجزائري للإنقلابيين في مالي ...

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
انقلاب العسكر في مالي
انقلاب العسكر في مالي
A+ A-
استغرب البعض، رفض الجزائر للعقوبات التي فُرضت على الإنقلابيين في مالي من قبل بعض البلدان الأوروبية والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، والتي تنطلق بدءاً من يوم 12 كانون الأول (ديسمبر) 2021. ولعل مرد هذا الاستغراب هو سير الدبلوماسية الجزائرية، وعلى غير العادة، خلافاً للإرادة الدولية والإقليمية، وهي الدبلوماسية النشطة التي عُرفت على الدوام باحترام الشرعية وإرادة المجتمع الدولي، ويشهد تاريخها بذلك.
 
ويبدو أن هؤلاء لا يدركون أن ما يحرّك الجزائر في الملف المالي هو الحفاظ على وحدتها الترابية واستقرارها حتى وإنْ اضطرها ذلك إلى التحالف مع "الشياطين"، وقادة الإنقلابات العسكرية المارقين والخارجين على القانون. وبالتالي يعتبر الحديث عن الشرعية واحترام سيادة القانون في مالي ضرباً من ضروب العبث بالنسبة إلى ساسة الجزائر ودبلوماسييها درءاً لكل ما من شأنه أن يهدد التماسك الداخلي لبلد المليون شهيد ويؤدي إلى انقسام البلد.
فهناك اعتقاد راسخ في الجزائر مفاده أن جيشاً قوياً في مالي هو صمام أمان لمنع الطوارق في إقليم أزواد من الاستقلال وتشكيل دولة جديدة قد تشجع طوارق الجزائر للنسج على منوالهم وإحياء الحلم القديم للرجال الزرق في تشكيل دولة كبيرة في الصحراء الكبرى المترامية. كما أن هناك اعتقاداً أن هذا الجيش المالي، ورغم ضعف تسليحه، في إمكانه أن يتحول إلى رأس حربة في حرب الجزائر على الإرهاب مستهدفاً الجماعات التكفيرية التي تتسلل إلى التراب الجزائري عبر الصحراء الكبرى الأفريقية قادمة من الأراضي المالية.
 
وقد سبق للجزائر، التي دأبت باستمرار على انتقاد التدخل الفرنسي في بلدان القارة السمراء، أن فتحت مجالها الجوي للطائرات الحربية الفرنسية عام 2012 حتى يتم استهداف الحركات الإنفصالية الأزوادية وأيضاً العناصر التكفيرية التي سيطرت على أزواد وانتزعتها من الحركات الإنفصالية للطوارق، والذين انتزعوها بدورهم قبل ذلك من الجيش المالي. وبالتالي، فإن دعم العسكريين المنقلبين على الحكم المدني في مالي هو مصلحة جزائرية، كما أن انسحاب القوات الفرنسية من مالي وإنهاء باريس لعملية برخان لمحاربة الإرهاب في الصحراء الكبرى يتعارض مع المصلحة الجزائرية.
 
وتذهب الجزائر بعيداً في دعمها للإنقلابيين في مالي إلى حد وصفهم بـ"الجهات المكلفة بتسيير المرحلة الإنتقالية" وذلك على لسان رئيس لجنة متابعة اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر. كما عبر الجزائريون صراحة عن رفضهم رفضاً قاطعاً لأي تدخل خارجي في المنطقة طبقاً لأجندات سياسية أجنبية تراها الجزائر لا تخدم تطبيق اتفاق السلم والمصالحة وتزيده تعقيداً برأي المسؤولين الجزائريين.
 
والحقيقة أن المجتمع الدولي يضغط على الإنقلابيين في مالي لتحديد موعد لتنظيم الانتخابات باعتبار أنه من غير المقبول أخلاقياً أن يواصل شخص أو الجماعة الحكم إلى ما لا نهاية في بلد اختار بعد استقلاله، النظام الجمهوري. فحتى في الملكيات الديموقراطية يجرد الملك من صلاحياته التي تمنح لرئيس الحكومة، الذي تأتي بالأغلبية البرلمانية الداعمة له، انتخابات حرة ونزيهة يقترع فيها الشعب مباشرة لاختبار نواب برلمانه.
 
وبالتالي وخلافاً للإرادة الدولية، فإن الجزائر ترى أنه لا يجوز الضغط من خلال العقوبات الثقيلة لتحديد موعد إجراء الانتخابات وهي التي لا يخفى على مسؤوليها، وبناء على التجارب الدولية السابقة، أن العسكريين إذا تورطوا في انقلابات عسكرية يميلون عادة إلى الاستحواذ على السلطة. ولذا تبدو العقوبات الدولية ضرورية في هذا الإطار للدفع بقادة الإنقلاب إلى التعجيل بإنهاء هذا الوضع الإستثنائي الذي تعيشه مالي التي تعددت فيها الانقلابات والحركات الإنفصالية واحتشدت فيها القوات الأجنبية.
 
إن المصلحة الجزائرية وحدها من تحرك الدبلوماسية في بلد المليون شهيد في ما يتعلق بأزمة مالي حتى وإن تنافى ذلك مع مبادئ هذه الدبلوماسية ومع مصالح الطوارق الذين عانوا من ويلات العنصرية في شمال مالي. وقد كانت المؤسسة العسكرية المالية على الدوام أداة رؤساء مالي المتعاقبين لقمع الطوارق في أزواد المغاربية، ومن أكثر هؤلاء الرؤساء دموية موديبو كايتا وموسى تراوري وأمادو توماني توري.
 
ولعل السؤال الذي يطرح، ما مدى قدرة الجزائر على دعم الجيش المالي بوجه القوى التي تتهدده من طوارق إنفصاليين وجماعات إرهابية؟ هل تستطيع الجزائر بدعمها الدبلوماسي والمالي و"التسليحي" أن تغطي الفراع الذي سيخلفه رحيل القوات الفرنسية بعد إنهاء عملية برخان في المنطقة؟ وألا يمكن أن يؤدي هذا الدعم إلى استهداف المصالح الجزائرية من قبل جهات في الداخل المالي يضر بمصالحها هذا الدعم؟
 
إن ما هو أكيد أن القوات الجزائرية لن تتورط في التواجد الميداني الكثيف على الأراضي المالية خلافاً لما هو عليه الحال مع الجيش الفرنسي وسيقتصر تدخلها بحسب التوقعات على بعض العمليات المخابراتية الميدانية لملاحقة الجماعات الإرهابية، وبالتالي فإن الجزائر لا تمتلك الإمكانات اللازمة لتغطية الفراغ الذي سيخلفه رحيل القوات الفرنسية عن مالي. كما أن التورط في حرب مباشرة سيكون ثقيلاً ومكلفاً على الاقتصاد الجزائري الذي يعاني الأمرين في السنوات الأخيرة وسيتهاوى إلى الحضيض لو حصل تدخل عسكري ما في زمن باتت فيه الولايات المتجدة بكل ثقلها تنسحب من بؤر القتال حفاظاً على أرواح جنودها وعلى توازناتها الاقتصادية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم