إعلان

"لعنة يناير"... هل تصيب الحكومة التونسية وتسرّع رحيلها؟

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
تظاهرات في تونس
تظاهرات في تونس
A+ A-
يُنعت كانون الثاني (يناير) في تونس بأنه شهر الاضطرابات السياسية والاجتماعية والحوادث الكبرى في تاريخ الخضراء الحديثة، وعادة ما تنطلق الحوادث خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) لتصل إلى ذروتها في الشهر التالي، وأحياناً خلال الأشهر التي تليه. فقد تمّت الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي يوم 14 كانون الثاني (يناير) عام 2012 بعد أن انطلقت الإضرابات يوم 17 كانون الأول (أكتوبر) 2011 من مدينة سيدي بوزيد وسط البلاد وانتشرت خارجها وتوسعت رقعتها إلى أن طاولت العاصمة.
 
كما أن الثورة التونسية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي انطلقت شرارتها الأولى يوم 18 كانون الثاني (يناير) 1952 وانتهت باستقلال البلاد الداخلي ثم الاستقلال التام بعد حوادث دموية أليمة سقط خلالها شهداء كثر في سبيل تحرير الوطن. كما شهد يوم 26 كانون الثاني (يناير) من عام 1978 ما عرف في تونس بـ"أحداث الخميس الأسود" الذي شهد احتجاجات للمركزية النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، استهدفت نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، انضمت إليها جماهير واسعة وسقط خلالها قتلى وجرحى وسالت دماء تونسية بأيادٍ تونسية، واعتقل نقابيون واعتدي على الممتلكات بالحرق والنهب.
 
وعرف الشهر ذاته من عام 1980 ما عرف بـ"عملية قفصة" التي قام بموجبها معارضون لنظام الحكم في تونس درّبهم ومولهم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي بالتسلل عبر الجزائر إلى مدينة قفصة بهدف السيطرة عليها والإنطلاق منها لقلب نظام الحكم. وتمكن الجيش التونسي من السيطرة على الأوضاع بعد قتال مرير مع المتمردين انتهى بالقبض على من نجا منهم وتقديمهم إلى القضاء الذي أصدر أحكاماً مختلفة تراوحت بين الإعدام والسجن لمدة بحسب درجة المشاركة في الجرم. 
 
وفي شهر كانون الثاني (يناير) من سنة 1984 شهدت تونس ما سمي بـ"أحداث الخبز" وذلك بعد أن انتفض الشارع احتجاجاً على رفع سعر الخبز في أواخر عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. وسقط هذه المرة أيضاً قتلى وجرحى بعد أن جابهت الدولة الاحتجاجات بالقمع والمعالجة الأمنية، لكن الحكومة اضطرت إلى التراجع عن الزيادات المقررة لسعر الخبز وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه في السابق على حد تعبير الرئيس بورقيبة في ذلك الوقت.
 
وشهدت العشرية الأخيرة بدورها اضطرابات اجتماعية خلال الفترة ذاتها من كل عام بما في ذلك هذه السنة التي انطلقت فيها الإضرابات باعتصام الكامور الذي قام خلاله المعتصمون بإيقاف استخراج وضخّ البترول من الحقول النفطية الجنوبية في ولاية تطاوين. وقد أدت استجابة الدولة لمطالب المعتصمين وتصريح رئيس الحكومة بأن اتفاق الكامور سيكون نموذجاً للتنمية في باقي مناطق البلاد إلى تفجر الأوضاع في ولايات أخرى تطالب بحقها في الثروات الموجودة ضمن حدود الولاية أو المحافظة على غرار سكان الحوض المنجمي بولاية قفصة الذين يهددون بإيقاف إنتاج الفوسفات من جديد.
 
ويبدو أن الاعتصامات ومنع تدفق الثروات سيتواصل إلى شهر كانون الثاني (يناير) المقبل وربما إلى الأشهر التي تليه باعتبار أن الحكومة تبدو عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها بالنظر إلى ضعف المبالغ المرصودة للتنمية ضمن ميزانية الدولة لهذه السنة. كما أن حكام البلاد عاجزون حتى عن تنفيذ مشاريع رصدت لها مبالغ من الخارج على غرار المستشفى والمدينة الصحيين اللذين ترغب بإنجازهما في ولاية القيروان، أطراف خليجية.
 
واختلفت التأويلات بشأن الأسباب الكامنة وراء انتفاضة التونسيين في شهر كانون الثاني (يناير) من كل عام، وذهب البعض إلى تفسير ذلك بقلة ذات اليد في هذه الفترة من السنة، حيث ينفق التونسي الكثير على عطلته الصيفية وعلى العودة المدرسية فلا يجد من حل سوى الإحتجاج على الدولة التي تطاولها تهمة إيصاله إلى هذا الوضع المزري بسبب ضعف الدخل الشهري وارتفاع الأسعار وتدهور مستوى المعيشة. في حين أرجع البعض السبب إلى تزامن الاحتجاجات مع فترة إعداد موازنة الدولة حيث يسعى كل طرف أو جهة للضغط من خلال الشارع لنيل المكاسب أو للتذمر من عدم الحصول عليها. ويذهب البعض إلى اعتبار أن الأمر يتعلق بمصادفة لا أكثر ولا أقل، وليس لتلك الفترة من العام التي تتزامن مع فصل الشتاء في النصف الشمالي للكرة الأرضية أي تأثير على المحتجين.
 
ولعل ما تجدر الإشارة إليه أن اضطرابات شهر كانون الثاني (يناير) تنتهي عادة بتغيير كبير في المشهد السياسي التونسي ومن النادر ألا تترك آثارها على التوازنات والتحالفات القائمة. فعلى سبيل المثال انتهت ثورة 18 كانون (يناير) 1952 على الاستعمار بزيارة رئيس الوزراء الفرنسي منداس فرانس إلى تونس مؤكداً عزم بلاده منح تونس استقلالها في خطاب شهير ألقاه أمام ملك البلاد في قرطاج.
وانتهت حوادث الخميس الأسود لسنة 1978 وحوادث عملية قفصة لسنة 1980 باختفاء رئيس الوزراء التونسي الهادي نويرة من المشهد السياسي وهو الذي كان الرجل القوي والمرشح لخلافة الرئيس بورقيبة على عرش قرطاج.
 
أما حوادث الخبز لسنة 1984، فقد زعزعت أركان حكم الرئيس بورقيبة وعجلت برحيله، وذلك على غرار حوادث 2011 التي أنهت حكم الرئيس بن علي ودفعته إلى مغادرة البلاد. كما أجبرت حوادث نهاية سنة 2013 وبداية سنة 2014 رئيس الحكومة الأسبق علي العريض على الاستقالة ومغادرة مقر الحكم في القصبة وهو الذي تلكأ في الاستقالة رغم الاتفاق في الحوار الوطني على هذه الاستقالة وعلى تشكيل حكومة من التكنوقراط تتولى مهمة إدارة البلاد وإجراء الانتخابات في موعدها المحدد سلفاً.
 
ولعل السؤال الذي يطرح اليوم بإلحاح، هل ستنهي هذه الاضطرابات الاجتماعية التي عمت كامل البلاد مطالبة بالتنمية، حكومة هشام المشيشي وتعجّل برحيلها رغم عدم مضي وقت طويل على تسلمها مقاليد الحكم؟ أم أن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل التي تقدم بها إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد ستكون عامل نجاة لهذه الحكومة التي وعدت بالكثير في مجال تنمية المناطق الداخلية رغم علمها بعجزها عن الإيفاء بوعودها؟ 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم