إعلان

قبل العلا وبعدها...مصر من حكومة انقلاب إلى شرعيّة منتخبة في نظر الدّوحة

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
بعد سنوات من وصف النظام السياسي الذي أقامه المصريون على أنقاض حكم "الإخوان المسلمين" بالديكتاتوري والانقلاب والفاقد الشرعية، بدأت الجبهة القطرية - المصرية تشهد تطوراً متسارعاً في العلاقات منذ قمة العلا، التي أنهت المقاطعة بين قطر والرباعية (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) لتغدو كل من الدوحة والقاهرة الأكثر تقدماً في مسار التطبيع عبر الاتفاق رسمياً على إعادة العلاقات الدبلوماسية، لتكون مصر أول دول الرباعية المفعّلة لهذه الخطوة مع الدوحة، وتتصدر عبارة "تطوير العلاقات الثنائية" المشهد، خصوصاً بعد استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الخارجية القطري، وتوجيه أمير قطر دعوة للسيسي لزيارة الدوحة.

الإخوان المسلمون أكبر الخاسرين
تصاعد التوتر بين قطر ومصر مع إزاحةالرئيس الإخواني محمد مرسي عام 2013، وصولاً إلى مستوى السحب المتبادل للسفراء، وتبادل الاتهامات.
 
ولمدة ثماني سنوات متتالية، فتحت قطر خزائنها على مصراعيها لجماعة "الإخوان المسلمين" وأي عدو آخر لمصر ورئيسها، فتأسست القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، والصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية، والشركات ومكاتب تحويل الأموال، ولم تدّخر وسائل الإعلام القطرية أو الإخوانية أي اتهامات عبر كل وسيلة ممكنة ضد السيسي وحكومته، كما وجد البلدان نفسيهما على طرفي نقيض في الملف الليبي، حيث انضمت الدوحة انضماماً وثيقاً إلى تركيا في دعم حكومة الوفاق الوطني، بينما دعم المصريون، الجيش الوطني الليبي، بمباركة من الرياض.
 
إلا أن التغيرات التي حصلت في المنطقة مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، دفعت كل دولة إلى تغيير نهجها بما يناسب مصالحها، ويتوافق مع السياسة الأميركية الجديدة، لتشهد العلاقة المصرية - القطرية بعد قمة العلا، تراجعاً دراماتيكياً في التصعيد، أعقبه استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. اتصل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس المصري، مهنئاً إياه بحلول شهر رمضان المبارك، وأعلن وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن "مصر من الدول الكبرى في المنطقة وتلعب دوراً رائداً في القضايا الإقليمية"، مؤكداً أن الرئيس عبد الفتاح السيسي "يمثل الشرعية المنتخبة في مصر".
 
تصريحات عبد الرحمن آل ثاني نسفت روايات "الجزيرة" والقنوات الفضائية الملحقة بها في كل من اسطنبول والدوحة منذ 30 حزيران (يونيو) 2013، معلنةً حقبةً جديدةً من العلاقات الثنائية، يبدو فيها "الإخوان المسلمون" أكبر الخاسرين في حال تكللها بالخاتمة المأمولة.

مصالح التّطبيع 
تبحث مصر عن علاقات متينة مع قوى إقليمية كبرى وروابط ثقة وحسن جوار، بالتزامن مع ازدياد التحديات التي تواجهها، وبالتحديد أزمة سد النهضة الإثيوبي التي تعتبرها أزمة مصيرية، آملة أن تكون قطر داعمة لها اقتصادياً وسياسياً في هذه القضية.
 
بالإضافة للمزايا الاقتصادية. فإن ما يقارب 300 ألف مصري يعملون في قطر، وتعدّ تحويلاتهم المالية إلى عائلاتهم مصدراً لدخل الكثير من المصريين، كما أن الاستثمارات الضخمة التي تسعى الدوحة لاستحواذها في مصر، توفر مئات فرص العمل للشباب المصري.
 
في المقابل، تَعتبر قطر علاقتها بمصر استراتيجية، تبعاً للتغيرات التي تجري في المنطقة. فبعد تحالفها مع إيران وجماعات إسلامية أخرى خلال السنوات الماضية، والذي أدى بنهاية المطاف الى مقاطعتها وعزلتها إقليمياً، الأمر الذي أضر باقتصادها، وعلاقاتها بجيرانها، فإن سقوط المشروع  القائم على تسييد الإخوان المسلمين إقليمياً، وانكسار مشروع الإسلام السياسي في ليبيا وسقوطه في سوريا، بات يهدد صورة الدوحة التي دأبت على رسمها طوال السنوات الماضية والقائمة على الوسيط المعتدل والمنفتح ومموّل صفقات السلام.
 
 
ملفّات شائكة 
برغم أن ملف "الإخوان المسلمين" وتنظيمات الإسلام السياسي الإقليمية، كانت أهم أسباب اندلاع الأزمة بين الدوحة والرباعية، فإن منح الأولوية لاتفاق إعادة العلاقات، في قمة العلا، وإرجاء القضايا العالقة لحلها عبر المفاوضات الثنائية، أديا إلى تبني نهج تفاوضي قائم على الانطلاق من نقاط الالتقاء بداية، وهو ما كشف عنه وزير الخارجية القطري، بشكل غير مباشر، في مقابلة تلفزيونية قائلاً "إن بلاده لا تتعامل مع أحزاب، بل تتعامل  مع الحكومات الشرعية" في إشارة إلى حكومة السيسي.
 
ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة الدكتور طارق  فهمي في تصريح لـ "النهار العربي"، أن "العلاقات المصرية القطرية تشهد مرحلة مهمة في هذا التوقيت، لكن هذه العلاقة لم تصل الى مرحلة التطبيع"، مشيراً إلى أن "القاهرة اليوم تبني علاقة مختلفة مع الجانب القطري هي علاقة مصلحية".
 
وحول ملف "الإخوان"، يلفت فهمي الى أنه "لا تتوافر معلومات مبشرة حول هذا الموضوع، والعناصر التابعون للإخوان والذين يعتبرون من الصف الأول موجودون في تركيا وفي دول أخرى، لكن الشخصيات الموجودة في قطر ليس لها تأثير كبير وليست كوادر رئيسية، لكن من المؤكد أن هذا الموضوع ليس هو الوحيد في مسار العلاقات القطرية المصرية".
 
في المقابل، يؤكد خبير العلاقات الدولية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أحمد العناني لـ"النهار العربي"، أن "حضور رئيس جهاز أمن الدولة القطري في القاهرة هو بمثابة جلوس مع أجهزة أمنية ومخابراتية من الجانب المصري، للاستماع إلى رؤية القاهرة في ما يخص بعض المطلوبين. واشترطت القاهرة أن تترافق زيارة الرئيس السيسي، بنوع من أنواع التفاهم وحسن النيات، يتمثل بتسليم المطلوبين والهاربين من القاهرة منذ 2013 إلى الآن، الذين تؤويهم قطر وتوفر لهم الملاذ الآمن".
 
وحول العقبات الأخرى التي قد تواجه هذا التقارب يقول العناني: "الجانبان يعملان على إزالة جبل الجليد بينهما، بخاصة أنه كان هناك تنسيق بين القاهرة والدوحة حول الضربات الأخيرة في غزة، وأن الدوحة تنظر إلى مصالحها الاستراتيجية وإلى خط القاهرة - السعودية، بحيث يكون له تفاهمات للعودة إليه مجدداً"، مبيناً أنه "ربما يكون هناك تسليم قيادات إخوانية لمصر، لكن المشكلة قد تكون حول بعض الأسماء، لأن قطر منحت الجنسية لعدد من القيادات".

إثبات حضور 
وحققت الجهود التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في ملفات عدة تهم الشرق الأوسط (كدورها الأخير الناجح في غزة الذي كتب باسمها ونشاطها في الملف الليبي)، مكانة مميزة لدى الدول، خصوصاً الغربية منها، دفعهتم إلى تجاوز الانتقادات الموجهة إليه، حول ملف المعتقلين السياسيين، فيما لم ينجح تنظيم "الإخوان المسلمين" في تحقيق أي مكاسب أو إنجازات برغم الدعم الذي قُدم لها من دول عدة.
 
وعن مساعي تقريب وجهات النظر بين مصر وإيران عن طريق الدوحة فإن ايران ملف مستبعد في هذا التوقيت بحسب  فهمي، ولا يوجد أي اتصالات ولا أي زيارات بين الجانبين، وهناك التزام مصري بثوابت العلاقة مع طهران، كما أن الايرانيين أيضا يريدون الحفاظ على هذه الثوابت، لكن المشكلة الرئيسية أن إيران لديها مشروعها الايديولوجي ولها نفوذها في الإقليم، وهو ما ترفضه القاهرة، وتتعامل معه بحساسية، وبالتالي لا يمكن أن يحصل تطور مصري ايراني في هذا الوقت رغم ان إيران ساعية لاقامة علاقات جيدة بدول الخليج، وخصوصا بعد مباحثات فيينا. وستتبلور هذه الأمور أكثر بعد إجراء الانتخابات الايرانية بحيث سيكون هناك جولات مفاوضات أخرى.
 
خلاصة القول إن أي تطبيع لعلاقات بين بلدين عربيين هو إيجابي لكلا الجانبين، لكن العلاقات  المصرية-القطرية رغم تطورها المتسارع إلا أنها ستواجه صعوبات وانعدام الثقة الذي تراكم منذ 2013، وذوبان الجليد في العلاقات المصرية القطرية مرتبط بقدوم بايدن بشكل أساسي، كما أن حل القضايا الخلافية بين الجانبين يبدو مؤجلاً إلى حين اتضاح موقف الرئيس الاميركي منها.
 
الكلمات الدالة