إعلان

أهانها أردوغان لأنها إمرأة!

المصدر: النهار العربي
رامي عزيز
رامي عزيز
فون ديرلاين واقفة في اللقاء بين أردوغان وميشال
فون ديرلاين واقفة في اللقاء بين أردوغان وميشال
A+ A-
لا تزال أصداء الفضيحة الديبلوماسية التي وقعت في العاصمة التركية أنقرة، في مطلع الشهر الماضي والتي أصبحت تعرف في الأوساط السياسية والإعلامية باسم "صوفا غيت" أو فضيحة الأريكة، تلقي بظلالها على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، مسببة مزيداً من التوتر، في تلك العلاقات المتوترة منذ فترة طويلة، بسبب السلوك العدواني لتركيا ضد المصالح الأوروبية في منطقة شرق المتوسط، أو في ما يتعلق بالابتزاز التركي المستمر، لدول الاتحاد الأوروبي باستخدام ورقة المهاجرين.
 
ولمن لا يعرف التفاصيل، تعود تلك الفضيحة الدبلوماسية، عندما قام أردوغان باستقبال كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، حيث لم يكن هناك سوى مقعدين، جلس عليهما كل من رجب طيب أردوغان وميشال؛ تاركين السيدة ديرلاين واقفة في حيرة شديدة من أمرها، تظهر على وجهها علامات الدهشة والصدمة من ذلك الموقف، حتى استطاعت الكاميرات التقاط صوتها؛ وهي تسأل "أين سأجلس"، وانتهى المطاف بالسيدة بالجلوس على أريكة جانبية لتكون مواجهة لوزير الخارجية التركي، في مغالطة بروتوكولية فجة، فتحت الباب لكثير من التساؤلات، حول ماهية ما حدث، هل هو محض مصادفة أم مكيدة جرى الترتيب لها؛ للوصول إلي تلك الصورة المهينة في حق السيدة التي تمثل أوروبا؟
 
محاولة لشق الصف
طبقاً للترتيب البروتوكولي يُعد منصب رئيس المجلس الأوروبي، الذي يشغله شارل ميشال أعلى من منصب رئيس المفوضية الأوروبية الذي تشغله السيدة ديرلاين، ولذا جلس شارل ميشال على المقعد المقابل لأردوغان، الأمر الذي أدى إلى ترك زميلته واقفة أمام الكاميرات في موقف لا تحسد عليه، ولكن طبقاً للبروتوكول أيضاً فإن منصب السيدة ديرلاين كان يفرض على المضيف التركي توفير مقعد خاص بها، ولكن جرى عكس ذلك؛ الأمر الذي يفهم منه أن التركي الذي يعرف البروتوكول جيداً، رتب الأحداث منذ البداية لكي ينتج منها إهانة للطرف الأوروبي، وتحديداً لـ"المرأة" وهذا ليس محض تخمين أو افتراء على أردوغان أو الأتراك، لكنه النتيجة المنطقية التي يستطيع أن يخلص إليها، أي متابع لسير خط الأحداث في هذه الواقعة.
 
بُعدٌ آخر هنا لا يمكن تغافله في تلك الواقعة، هو سعي أردوغان إلى إحداث فرقة وشق في الصف الأوروبي، فهو يعرف أن هناك حالة من التوتر في العلاقة بين ميشال وفون ديرلاين، نتيجة لسعي ديرلاين الى ممارسة دور أكبر كرئيسة للمفوضية الأوروبية، ما يؤدي إلى وجود بعض الخلافات بينها وبين رئيس المجلس الأوروبي، نتيجة للتداخل في الاختصاصات والصلاحيات بين المفوضية الأوروبية والمجلس، لتقاسمهما السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، بناء على معاهدة لشبونة الموقعة في 2007 والتي دخلت حيز التنفيذ بشكل فعلي في عام 2009، والتي أدت إلى نقل بعض الصلاحيات التنفيذية من مجلس أوروبا إلى المفوضية الأوروبية.
 
ولكن على الرغم من حالة الغضب التي تولدت نتيجة لتلك الإهانة المتعمدة، فإن هذا الأمر لم يمنع الأوروبيين من التعامل بطريقة مختلفة مع "الفخ التركي" الذي هدف إلى إحداث مزيد من الانشقاق الأوروبي؛ ورغم الانتقادات التي حدثت، فوّت الأوروبيون الفرصة على أردوغان في الوصول إلى ما يريد، وهذا ما اتضح في تصريحات ديرلاين التي أكدت "أنها لن تسمح بتكرار ما حدث"، والذي قابله رئيس المجلس الأوروبي بتقديم الاعتذار الشديد عما وقع، وفي الوقت نفسه صرح المتحدث باسمه "بضرورة عدم السماح لأحد بزرع الانقسام في الاتحاد الأوروبي".
 
وتعد فون ديرلاين أول سيدة تتولى رئاسة المفوضية الأوروبية، وقد سبق لها تولي منصب أول وزيرة دفاع لألمانيا، وتطلّب تعيين ديرلاين في هذا المنصب الرفيع، موافقة البرلمان الأوروبي من طريق التصويت، وحصلت ديرلاين على 383 صوتاً من إجمالي747 صوتاً، كما حصلت على دعم كبير من المستشارة الألمانية انغيلا ميركل.
 
أوضاع متردية
ولكن بعيداً من القراءة السياسية لما حدث بالرغم من أهميتها، ثمة حاجة إلى إلقاء الضوء على أوضاع المرأة في تركيا، لفهم كيف ينظر المجتمع التركي اليها، فكل التقارير الصادرة عن الجمعيات العاملة في مجال حقوق المرأة سواء المحلية أو الدولية، تؤكد التدهور الواضح في حقوق المرأة في تركيا، وأنها تعاني الكثير من مظاهر التمييز والعنف، خصوصاً حالات العنف الأسري، تلك التي ترتكب فيها جرائم الاغتصاب؛ الضرب بالعصي والخراطيم والمطارق، الأمر الذي ينتهي في كثير من الأحيان بالقتل؛ إضافة إلى التعذيب النفسي للنساء.
 
شهدت تركيا العام الماضي مقتل 300 أمرأة بسبب العنف الأسري، وطبقاً لتقارير الجمعيات التركية المعنية بحقوق المرأة، يظهر أن الرقم الحقيقي أكثر من ذلك بكثير، ولكن حالات قتل النساء يتم التلاعب بها لتظهر على أنها حالات انتحار، وبالرغم من وجود قوانين في تركيا تدعم حقوق المرأة، منها القانون 3420 لسنة 1998 المعدل سنة 2007، والذي يعطي الحق لأي شخص يتعرض للعنف الأسري، حق التقدم بدعوى قضائية، يبقى هذا القانون نظرياً، لأنه بحسب الواقع العملي، فإن سلطات إنفاذ القانون والسلطات القضائية، في أغلب الحالات، تتقاعس عن تطبيق القانون عندما يتعلق الأمر بشكوى من النساء ضد أفراد الأسرة (زوج- أب)، أو ترغم المرأة على التنازل عن شكواها والتصالح مع المعتدي، وفي حالة وجود وفاة يتم تكييف سير التحقيقات حتى تبدو كانتحار.
 
حتى الاتفاق الأوروبي لمكافحة ومنع العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، المعروف باسم "اتفاق إسطنبول" والذي كانت تعوّل عليه الجمعيات والناشطات في مجال حقوق المرأة، لإجبار الحكومة التركية على تحسين أوضاع المرأة التي تدهورت كثيراً منذ وصول حزب العدالة والتنمية - صاحب التوجه الإسلامي- إلى الحكم في 2003، قام أردوغان بالانسحاب منه في نهاية شهر آذار (مارس) الماضي، بدعوة أن ذلك الاتفاق يهدم الأسرة ويزيد من نسب الطلاق. فأردوغان والتيار الإسلامي الذي ينتمي إليه يريان في شكل عام أن المرأة مخلوق أقل من الرجل ولا يمكن المساواة بينهما، ولذا هما يستشعران الخطر من أن تحصل المرأة علي حقوقها وتكون لها القدرة في الدفاع عن نفسها بموجب القانون.
 
لأنها أمرأة!
وبعد أسابيع من تلك الفضيحة الدبلوماسية والأخلاقية، والتي كان بطلها أردوغان ورئيسة المفوضية الأوروبية، تعهدت فون ديرلاين أمام البرلمان الأوروبي الدفاع عن حقوق المرأة، وقالت للمشرعين في الاتحاد الأوروبي: "أنا أول أمرأة تتولى رئاسة المفوضية الأوروبية. أنا رئيسة المفوضية الأوروبية. وتوقعت أن أُعامل على هذا الأساس عندما زرت تركيا قبل أسبوعين، كرئيسة للمفوضية، لكن ذلك لم يحدث". وأضافت: "لا أستطيع أن أجد أي تبرير للطريقة التي عوملت بها في المعاهدات الأوروبية. لذا يجب أن أستنتج، أن ذلك حدث لأنني إمرأة. هل كان سيحدث هذا لو كنت أرتدي بدلة وربطة عنق؟ في صور الاجتماعات السابقة لم أرَ نقصاً في الكراسي، ولكن مرة أخرى لم أرَ أي امرأة فى تلك الصور أيضاً".
 
وفي النهاية أود أن أضيف على كلام السيدة فون ديرلاين، أن ما حدث معها هو انعكاس لمكانة المرأة في عقلية أردوغان الذي يري المرأة أقل من الرجل ولا تصلح للمناصب العليا ولا الولاية، وجاء هذا الموقف منه بعد أيام على الانسحاب من الاتفاق الدولي الذي يضمن حقوق المرأة، كرسالة عملية موجهة لأوروبا، على عدم اهتمامه واحترامه لحقوق المرأة.
 
*باحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم