إعلان

أمراض الرؤساء وارتباطها بالأمن القومي

المصدر: النهار العربي
علي الهاشم
بوتين وبايدن في صورة من عام 2011
بوتين وبايدن في صورة من عام 2011
A+ A-
تتلخص مسؤولية السلطة في الحكم في شكل معقول ومقبول لضمان مصلحة الدولة ومواطنيها. والواجب في هذه العملية هو الحصول على المعلومات وإبقاء العقل والتقدير يقظين، فإذا ما كان العقل يقظاً في الشكل الطبيعي الذي يمكّنه من إدراك ما إذا كان اتباع سياسة معينة تضرّ بدلاً من أن تنفع مصلحة الدوله، فإن ذلك يعني أن السلطة قادرة على الإمساك بزمام الأمور. لذلك ينبغي العلم بأن تأثير المرض على عملية الحكم وصنع القرار لدى الرؤساء قد تضرّ في شكل خطير بمستقبل الدولة.
 
شهدت العلاقات الأميركية-الروسية خلافات واضحة على المستوى الرئاسي تجلت في تصريحات للرئيس الأميركي جو بايدن الأخيرة بحق نظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتي أدلى بها لتلفزيون "آي بي سي" في حوار أذيع في 17 آذار (مارس) المنصرم، حيث رد الرئيس الأميركي بالإيجاب على سؤال عما إذا كان يعتبر نظيره الروسي قاتلاً. كما أعلن بايدن أن بوتين سيواجه عواقب ممارسات سعت إلى التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2020 لصالح دونالد ترامب. وهو ما اعتبر خروجاً عن الأعراف الدبلوماسية، وكذلك حول علاقتها بالسياسات الواقعية للدولتين، ومسارات العلاقة بينهما. وفي سياق متصل، بدأ العديد من وسائل الإعلام الروسية بالتشكيك في صحة الرئيس الأميركي جو بايدن، والادعاء بعدم قدرته على تولي زمام الأمور في واشنطن.
 
وقد رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تلك التصريحات في اليوم التالي قائلاً إن "القاتل هو من يصف الآخر بذلك". ودعا إلى إجراء مناظرة ثنائية علنية ومباشرة عبر الإنترنت، يشاهدها الشعبان الأميركي والروسي والشعوب الأخرى، في محاولة من الرئيس الروسي لإحراج نظيره الأميركي، وإظهاره بمظهر المتخوف من الأحاديث المفتوحة وكشف الحقائق.
 
وقد حاولت موسكو التشكيك بالحالة الصحية للرئيس بايدن والادعاء ضمنياً أنه غير قادر على حكم الولايات المتحدة، حيث رد الرئيس الروسي بقوله: "أنا أعرفه جيداً. بماذا سأرد عليه؟ كن بصحة جيدة. أتمنى له الصحة الجيدة. أقولها من دون سخرية ولا مزحة"، في إشارة إلى سن بايدن الكبيرة وما إذا كان يجعله ذلك ينطق بكلام غير متزن. كما سلطت وسائل الإعلام الروسية الضوء على تعثر بايدن 3 مرات أثناء صعوده الطائرة، والذي وظفته كحلقة جديدة في "سلسلة حوادث أثارت القلق بشأن الحالة الصحية للرئيس الأميركي" إلى جانب وصف بايدن عن طريق الخطأ نائبته، كمالا هاريس، بالرئيسة.
 
وبالعودة إلى فترة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وما نتج منها من سياسات قلبت العالم رأساً على عقب، فإن من غير المستبعد أن يكون الرئيس ترامب كان يعاني هو الآخر من مرض يوصف بـ"الثمالة بالسلطة"، فكثيراً ما وصفت حالات ثمالة القادة بالغرور والسلطة من طرف العامة بأنها "إنفصام" أو "خبل"، وحتى "جنون العظمة"، على الرغم من أن مثل هذه المصطلحات ليست مستخدمة في مهنة الطب لتوصيف حالاتهم.
 
والحقيقة أن حالة الدولة سواء من ناحية غنى الموارد وبحبوحة العيش، أم من ناحية هيمنتها وقوتها العسكرية والاقتصادية والصناعية كما هو لدى الولايات المتحدة الأميركية، قد تساهم في مثل هذه "الثمالة بالسلطة" لدى أي رئيس ينجرف نحو الاعتداد بهذا الزخم. وبالرجوع إلى التاريخ نجد أن هتلر نفسه عانى من هذه الحالة، فتجربة ممارسة الحكم يبدو أنها تؤثر في رؤساء الحكومات من خلال شيء ما أطلق عليه السياسي البريطاني المخضرم ديفيد أوين تسمية "متلازمة الغطرسة hubris syndrome".
 
ويعتبر أوين شخصية فريدة من نوعها كونه خاض غمار المجالين، الطب والسياسة، فقد بدأ كطبيب متخصص في الطب العصبي وتدرّب أيضاً في تخصص الطب النفسي ثم أصبح زعيماً حزبياً فوزيراً للخارجية البريطانية. ويوضح أوين أن مهنة الطب تتجنب عبارات مثل: "الجنون" أو "الاختلال العقلي" عندما تتحدث عن الصحة النفسية للرؤساء. لكن لوحظ على مدى قرون أن شيئاً ما يصيب الاستقرار النفسي عند بعض الناس عندما يكونون في السلطة، والعلاقة السلبية بين الإمساك بالسلطة وهذه الحالة وكأنها صنف من المخدرات التي تطيح بالعقل والمنطق لدى البعض ممن يملكون زمام الأمور.
 
وبالعودة إلى موقع الولايات المتحدة للقرن الذي مضى، سنجد أنها ظهرت كقوة عالمية بحلول عام 1918، وفي 1945 بعد الحرب العالمية الثانية خرجت كأقوى قوة في العالم أجمع، ورغم بروز الاتحاد السوفياتي بعد ذلك كندّ لها، إلا أنها تمكنت من خلال الحرب الباردة من هزيمته من دون خوض حرب بالعتاد أو بالسلاح ضده، وتسيّدت كقوة أحادية عظمى وبالتالي أثر ذلك على سلوك رؤسائها الذين تولى الحكم ولو بواسطة الديموقراطية، وحتى مع "متلازمة الغطرسة" التي ليس هناك مجال للشك في أن الرئيس دونالد ترامب قد عانى منها في شكل واضح، فإن وجود رئيس حالي كـجو بايدن الذي يعتقد أنه عليل الصحة فإن هذا يعتبر أمراً خطيراً وله تأثير في صنع القرار، ومدى خطورة إبقاء مرضه سراً، والأدهى من ذلك هو في صعوبة إزالة القادة المرضى سواء في الديموقراطيات كما هو الحال في الديكتاتوريات، وأخيراً المسؤولية التي يضعها المرض على عاتق الأطباء لأولئك الرؤساء وبالتالي إنعكاس المرض على صنع السياسات.
 
الكلمات الدالة