إعلان

الانتخابات الليبيّة فرصة للتّغيير... لكن حذار "الأحصنة القديمة"

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
الساعدي القذافي
الساعدي القذافي
A+ A-
تتهيأ ليبيا لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد 24 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، على أن تليها بعد شهر في كانون الثاني (يناير) 2022 الانتخابات النيابية.
 
واكتملت التشريعات اللازمة لإجراء هذه الانتخابات قبل ثلاثة أشهر من مواعيدها، في خطوة قد تزيد من فرص نجاح هذا الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظره الليبيون (7 ملايين نسمة). ويتوقع، بحسب الاستطلاعات، مشاركة ثلاثة ملايين ليبي بين مقيمين ومغتربين في هذا العرس الوطني.
 
وتتجه الأنظار، داخل ليبيا وخارجها، إلى الانتخابات كفرصة يعول عليها لاختيار سلطات منتخبة من الشعب، تنهي حال الفوضى والفلتان والتشرذم في البلاد، وتخرجها من عنق الزجاجة، وتوفر مناخاً جدياً لعودة الاستقرار والتهدئة الى البلد الذي قاسى شعبه عقوداً من الحكومات العبثية الديكتاتورية، وسنوات من الصراعات الداخلية المسلحة والتدخلات الخارجية المتنوعة. 
 
هذه الانتخابات قد تكون مفتاح الاستقرار الضروري والملحّ لليبيا أولاً ولدول الجوار ثانياً. فالليبيون يتطلعون إلى فجر جديد وعودة طبيعية لحياة مستقرة. ووحدها الانتخابات الحرة والنزيهة بإشراف مراقبين دوليين وإقليميين تمكّن الليبيين من حكم أنفسهم بأنفسهم. الشارع الليبي العريض يعلق آمالاً كبرى على هذه الانتخابات، علها تكون فرصة لإنتاج طبقة سياسية جديدة تنهض بليبيا وتفتح أبواب الاستثمار والسياحة والازدهار.
 
وواضح أن المجتمع الدولي والإقليمي يدفع بقوة لإجراء الانتخابات، وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي يتعمق انخراطها في الملف الليبي، وقد كلفت سفيرها لدى ليبيا ريتشارد نورلاند بذل جهوده لتذليل العقبات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعين وحل الخلافات حول الانتخابات. 
 
وظهر تأثير الدور الأميركي جلياً في اجتماع المغرب الذي تداعت إليه شخصيات ليبية، بعد بروز خلافات في وجهات النظر بين رئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي حول قوانين الانتخابات. طار نورلاند إلى الرباط وانضم إلى المجتمعين، وبعد مداولات ومشاورات توصل الفريقان إلى توافق على إقرار القوانين الانتخابية، ما أدى إلى تصويت مجلس النواب على هذه القوانين في جلسة واحدة وبالأغلبية. 
 
والاهتمام الأميركي بالانتخابات الليبية أكده مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، أثناء زيارته القاهرة أخيراً، حيث طلب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعمال نفوذه مع الأطراف الليبية، لتحقيق الاستحقاق الانتخابي وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة كعنصر ضروري لتأمين انتخابات سليمة. 
 
وعقد قائد القوات الأميركية (أفريكوم) الجنرال ستيفان تاونساند واللجنة العسكرية المشتركة الليبية 5+5 اجتماعاً لمناقشة موضوع الانسحابات. وسيعقد في 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري مؤتمر استقرار ليبيا، بحضور شخصيات ليبية ودولية دعماً لإجراء الانتخابات، والقبول بنتائجها لتفادي ما جرى في 2014 عندما انقلبت الجماعات الإسلامية على النتائج، وقامت ميليشيا "فجر ليبيا" التابعة لـ"الإخوان المسلمين" باحتلال مؤسسات الدولة في طرابلس وغيرها من المدن. 
 
ومنذ انتفاضة الربيع العربي في 2011 وليبيا واقعة تحت وطأة التدخلات الخارجية طمعاً بالثروة والمغانم. القوى الخارجية كرّست الجماعات الإسلامية قوة أساسية في التوازنات السياسية، رغم ضعف حضورها الشعبي ونفور القبائل والجهويات منها.
 
الاستعدادت للانتخابات جارية على قدم وساق في شرق ليبيا وغربها. وبدأ المرشحون من الأحصنة القديمة إطلاق حملاتهم الانتخابية، ونسج تحالفات ومصالحات مع أخصامهم لتلميع صورهم ونيل القبول وطنياً لا مناطقياً فحسب.
 
ويبذل قائد "الجيش الوطني الليبي" المشير خليفة حفتر نشاطاً مدنياً وثقافياً في شرق ليبيا، ويتردد على ملاعب كرة القدم والمسارح. وقام بمبادرة تجاه خصومه في الغرب بالإفراج عن المحتجزين لدى جيشه المتحدرين من مصراتة والزنئان. واللافت أن هذا الإفراج تم من دون وضع شرط الإفراج عن الأسرى من جيشه في الغرب. وأثناء احتفالات عيد "الجيش الوطني" في آب (أغسطس) الماضي، أبدى حفتر استعداده لإجراء مصالحة مع خصومه في الغرب و"فتح قلبه لأصحاب النيات الحسنة من أجل إقامة السلام العادل، خدمة لمصلحة البلاد العليا والأجيال الصاعدة"، منوهاً بأهمية الجيش الذي أعاد بناءه بعد انهيار الدولة كأساس لقيام الدولة الآمنة والمستقرة...  
 
 رسائل حفتر الودية والسلمية لم ترق لخصومه من الجماعات الإسلامية والميليشيات المدعومة من تركيا الرافضة خوضه السباق الرئاسي، في المبدأ، وستعارضه حتى لو فاز. ترشيح حفتر ليس واضحاً ولا أكيداً بعد، إذ ينبغي على قائد الجيش وكبار العسكريين أن يستقيلوا من مناصبهم قبل ثلاثة شهور من موعد الانتخابات. وقد حاول برلمان برقة برئاسة عقيلة صالح مساعدة حفتر بإقرار قانون يسمح له بخوض السباق الرئاسي والعودة إلى منصبه إذا فشل. الأمر الذي أثار غضب رئيس المجلس الرئاسي وغيره من السياسيين.
 
في الغرب ينشط وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا في الإعداد للسباق الرئاسي، ويدعو إلى تدعيم المصالحة الوطنية وترسيخ ثقافة التسامح بين الليبيين وفتح صفحة جديدة. وهو استقبل أخيراً وفداً من قبيلة معمر القذافي، القذاذفة، طالب بإطلاق سراح المعتقلين من أبنائها. وإثر الزيارة تم إطلاق سراح الساعدي القذافي وآخرين من رموز النظام السابق. وقيل إن باشاغا الذي يتحدر من مصراتة لعب دوراً في إطلاق المحتجزين، نظراً الى كلمته المسموعة عند الجماعات الإسلامية رغم خروجه من السلطة. كما زار باشاغا وفد من أهالي الزنئان، حيث يعيش سيف الإسلام القذافي، بحسب المقابلة التي أجرتها "نيويورك تايمس" معه ولمّح فيها الى رغبته في خوض الانتخابات الرئاسية. لكنه يواجه إشكالية قانونية لأنه لا يزال مطلوباً الى محكمة العدل الجنائية الدولية بتهم قمع الانتفاضة ضد والده.
 
 الحرس القديم أمثال حفتر وباشاغا وسيف الإسلام شخصيات جدلية. اشتركوا في حروب ليبيا ولهم ماض، ولعبوا أدواراً يتحملون مسؤوليتها ومدعوون للمساءلة والمحاسبة، رغم الكلام المتأخر والأنيق عن المصالحة الوطنية والتسامح وقبول الآخر. 
ليبيا بحاجة إلى دماء جديدة شابة متعلمة ومنفتحة لم تشترك في الحروب. وهذا متوفر بين المقيمين والمغتربين الذين يملأون المنافي في القاهرة وروما ولندن، لبدء مرحلة جديدة من التعافي والمصالحة والأمل. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم