إعلان

كيف نستبدل الهجرة نحو الغرب بالهجرة للمستقبل؟

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
لاجئون إلى الخارج
لاجئون إلى الخارج
A+ A-
طلبت مني إحدى الجامعات الأميركية المشاركة في جلسة حوار تضم عدداً من طلابها من الشرق الأوسط حول التحديات التي ستواجه جيلهم بعد ثلاثين عاماً، وماذا يمكن أن يفعلوا كي يحضروا لهذه التحديات؟. وكان النقاش مدهشاً في عمقه ومعناه. ما اكتبه هنا يلخص ما عرضته في هذا النقاش. ألخص في هذه الأسطر القليلة ما قلته لهم.
 
لا تزال المنطقة تتدحرج نحو المزيد من الاضطراب العميق الناجم عن الاصطدام التكتوني (بمعنى العميق والكاسح) لبنية الإقليم والدولة ومنظومات الأمن والاستقرار فيه.
 
تنعكس التبدلات الاستراتيجية الدولية في شكل عميق على المنطقة. فحين بدا أن ثمة تراجعاً في المناعة الاستراتيجية للولايات المتحدة وأنها تبتعد من الإقليم، سارعت دوله نحو بناء تحالفات لملء الفراغ. ولكن مع عودة التمترس في العلاقات الدولية تجد هذه الدول نفسها أمام خيارات حدية. لكن الميل العام للولايات المتحدة للانفكاك عن الحروب الأهلية الإقليمية والبعد من التورط البري المباشر في الإقليم قد غدا سمة عامة في توجهاتها.
كما تنعكس التبدلات الاقتصادية العالمية بقدر كبير ومباشر على واقع المنطقة. اذ لم يعد المنتج يمتلك ميزة فرض شروطه على المستهلكين وصارت الأسواق ذات الاستهلاك العالي هي التي تفرض المعايير والشروط.
 
وبالنسبة إلى منطقتنا شكل الريع الفائض عن بيع الطاقة المصدر الرئيسي للرشوة الاجتماعية التي أتاحت فرصة البقاء لنموذج رأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة. وسمحت باستقرار العديد من الدول على مدى عقود. لكن هبوط الريع الحتمي وما يستتبعه من شح الموارد المتوفرة لهذه الرشوة الاجتماعية، أصبح امراً حتمياً، لتنهار معه العديد من الاقتصادات الإقليمية. ومع الفساد والفشل التنموي والاقتصادي المستفحل، يتسارع انهيار الدولة الوطنية، سواء ذلك عبر الثورات او الانتفاضات او الانقلابات. بعد عام 2011 لم يتوقف قطار الربيع العربي ليوم واحد، وما زال يقلب المجن في وجه الاستعصاء التاريخي لنموذج الدولة المحتضر. فمنذ الأيام الأولى للربيع تصطف دول الإقليم على درب هذا التحول، من العراق الى لبنان إلى السودان فالجزائر الخ... وتتخمر الأزمات فيها وتتلون تجلياتها، ولكن جوهرها العميق وارهاصاتها مدهشة في تشابهها، بل وفي وحدتها.
 
ورغم أن اختلاف كارثية هذا التحول بين هذه البلدان، فإن جوهر العملية يبقى واحداً. وعلى وقع هذه الضربات التاريخية تتعرى الايدولوجيات وتتداعى قدرتها على توليد الشرعية للاستبداد وينهار معها النموذج العتيق للدولة الوطنية التي نمت في مراحل ما بعد الاستعمار، فلا يبقى منها الا ما كان ضرورياً لمنظومة الأمن الإقليمي، وتنحدر هذه الدول تباعاً، من دولة فاشلة، الى دولة منهارة، الى التفكك الكامل.
 
ليس ثمة أعمق من هذا التحول الكارثي. مناخ عالمي تعاد هيكلته، تراجع جوهري في موقع المنطقة من الاقتصاد العالمي، تداعي المنظومة الإقليمية لما بعد الاستعمار، وتداعي الريع وانهيار الأيديولوجيا كمصدر لشرعية الحكم، وشرعية الطوائف ناهيك بالفشل التنموي. والأنكى من ذلك هو فوات جوهري في نموذج الدولة على مستوى الإقليم بأسره. كل ذلك يحصل في زمن تنحدر فيه المنطقة إلى الاتون المستعر لحرب طائفية دينية إثنية إقليمية عمياء. على خلفية هذه الدراما يتقدم التغيّر المناخي الذي صار حقيقة لا مناص منها وإلى جانبه الأوبئة الكونية لتسرع في بلورة فشل الدولة الوطنية وتعزز من الفراغ التنموي الذي صار حقيقة شاملة. فما الذي ستجده الأجيال الصاعدة والتي تقرع الباب بقوة أمام قوى القديم، بين أيديها على عتبة قدوم زمانها في صناعة القرار في البلاد؟
 
في أحسن الأحوال وحتى في تلك الدول التي قد تنجو من أكثر التداعيات كارثية، ستجد هذه الأجيال نفسها أمام فكي كماشة. سيتمثل الفك الأول في البيروقراطية الدولتية التي تمترس الجيل القديم خلفها ليدافع عن انتصاراته التليدة وعقائده وشرعيته، والأهم من ذلك كله ليدافع عن مكاسبه حتى الرمق الأخير.
 
الفك الثاني سيتمثل في انشطار جيل الشباب كتلتين. الكتلة الأولى كبيرة في القعر المظلم لفشل الدولة سيفوتها القطار لتصبح من جديد وقوداً لنيران امراء الحرب من الأجيال العتيقة لتصير فرائس جديدة للتعصب والإرهاب والحروب الطائفية الإثنية القادمة. الكتلة الثانية من جيل الشباب هي التي ستتمكن بشق النفس من التعلق بالقطار العاصف للعولمة التقنية الحديثة. وهي التي تتمكن من الانخراط في اقتصاد المعلومات وتتعزز في أوساطها قيم الحرية والتعددية والجندر والحوكمة الخ... وعليها بالذات ستقع مهمة فتح الطريق لمستقبل الأجيال القادمة. ستحاول هذه الأجيال ذلك بلا شك، لكنها ستجد نفسها بين فكي كماشة.
فك القديم الذي يتشبث بأمجاده ومكاسبه وفك جديد مفوت لم يبقَ له الا الانتحار. فإن فشلت لن يكون أمامها الا الهجرة أو الانخراط بدورهم في أتون الحروب الأهلية الإقليمية.
 
فما الذي يفترض أن تحضر له تلك الأجنة الهشة للأجيال المقبلة لهذه اللحظة الفاصلة؟
اولاً: يجب أن يكف الجيل القادم عن المراهنة على تدخل القوى الدولية لضبط النزاعات في الإقليم ولا لفرض نمط الدولة الذي تحبذه. فقد انتهى هذا العصر تماماً.
 
ثانياً: مع سقوط الأيديولوجيات وتداعي شرعية العقائديات والطوائف تصبح قضية إعادة انتاج الهوية الوطنية للدولة الوطنية قضية محورية. اذ لا تكفي الديموقراطية ولا المواطنة، ولا حرية التعبير، حتى في حال تحققها، في حل إشكالية تعدد الهويات. فهي لم تحلها في كندا وهولندا وبلجيكا الخ... لتصبح قضية تحويل بنية الدولة الوطنية الى بنى فدرالية ممراً اجبارياً على أصعدة عدة:
1-لتحييد البيروقراطية العتيقة.
2- لفتح المجال لمعالجة الركام الهائل من الإشكالات التنموية.
3- ما يتيحه البنيان الفدرالي من ضمان للأمن الفردي والاقتصادي بما يسمح بنشوء بؤر نجاح تنموي تشكل قاطرة وقوة النموذج لباقي المناطق.
 
ثالثاً: العمل على اخراج المنطقة من آتون الحرب الدينية الطائفية والإثنية، هي المهمة الجوهرية. ولا شك في أن هذه الأجيال ستجابه ركاماً لا ينتهي من الحقوق التاريخية والمظالم والانتقامات. ومن السلم الإقليمي والتشارك بين دوله في مجابهة التحديات لا يمكن الخروج من فخ تاريخ يتفسخ نحو مجابهة معضلات المستقبل.
 
رابعاً: مع تساقط الايدولوجيات في العوالم التي ستندمج فيها الأجيال التي تقرع الأبواب ليصبح الصراع قائماً بين نماذج الدول والاقتصادات.
 
خامساً: المجتمعات والبؤر التي تفادت الانهيار الإقليمي والمجتمعي حتى الآن هي تلك التي تمكنت من كانت فيها بنية المجتمع أكثر تماسكاً، وكان الاقتصاد الإنتاجي المحلي محمياً من أمراء الحرب والبيروقراطية. هذه الحقيقة تجعل من عملية تقوية المجتمعات المحلية والسلطة المدنية فيها وحسن الحوكمة ومختلف آليات التضامن الاجتماعي. فحيثما توافرت هذه العوامل أمكن لهذه المجتمعات المحلية أن تخلق قوة المثل وبؤر نجاح مستقلة تشكل قاطرة للبلاد.
 
في هكذا مشهد دولي وإقليمي ووطني تصبح قضية السلم الأهلي الوطني والسلم الإقليمي الشرط الرئيسي لأي أمل في المستقبل. منظومة للسلم الإقليمي ومنظومات لتعزيز السلم الأهلي الداخلي في بنية فدرالية مرنة تعيد تأسيس الهوية الوطنية، بذلك وحده قد يكون من الممكن استبدال الهجرة نحو الغرب بالهجرة للمستقبل.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم