إعلان

صناعة الكذب... وكوربين صديق فلسطين البريطاني الطيّب

المصدر: النهار العربي
عمّار الجندي
جريمي كوربين
جريمي كوربين
A+ A-
مثالية زعيم حزب العمال البريطاني السابق الذي قارع العنصرية طويلاً، ساعدت خصومه النافذين على إسقاطه بتهمة العنصرية نفسها، فطُويت صفحة المرشح السابق لقيادة بريطانيا كنمر من ورق، شأنه شأن كثيرين من أبناء بلاده الذين أحبوا فلسطين وناصروا القضايا العادلة.
 
رفعت الشرطية البريطانية صوتها بالهتاف "الحرية لفلسطين، الحرية لفلسطين" ،  في تظاهرة لندنية للتضامن مع غزة حين كانت الطائرات التي شاركت بريطانيا في صناعتها تُغرقها بالحمم. لا تدل الصور التي نشرتها "دايلي ميرور" للشرطية بشكل جازم الى أنها بيضاء أو عربية الأصل. لكن أياً كانت هويتها، فموقفها كان غير مسبوق.
 
 صورة هذه الشابة التي قد تفقد وظيفتها بسبب شجاعتها الاستثنائية، أعادت إلى البال مشهداً يرقى الى 35 عاماً مضت، لشخص استثنائي في إيمانه بالحق الفلسطيني، وحماسته له الى حدّ القضاء على مستقبله الحزبي. كان هذا هو جيرمي كوربين، زعيم حزب العمال السابق.
 
بُعيد وصولي إلى إنكلترا أوائل كانون الثاني (يناير) 1986، كان عضو مجلس العموم الشاب كوربين يرفع صوته في نصرة القضية الفلسطينية أمامي في مناسبة حاشدة في كوفنتري، مدينتي الجديدة. وكنت سأذكّر النائب المشاغب بكلمته تلك بعد قرابة عشرين سنة، وسيرد على الفور قائلاً: "كانت مناسبة رائعة، وكان الخطاب قوياً".
 
على امتداد العقود الثلاثة التي تفصلنا عن تلك اللحظة في كوفنتري، بقي كوربين، ولا يزال، صديقاً مخلصاً لفلسطين ومدافعاً شجاعاً عن حقها بالحياة والعدالة. هكذا كان في مقدّم التظاهرة الحاشدة التي شهدتها لندن في 15 أيار (مايو) الماضي دفاعاً عن غزة، لا بل كاد لا يغيب عن الشوارع أو وسائل الإعلام خلال محنتها الدامية. 
 
لا شك في صدق إيمان كوربين بعدالة قضية فلسطين، الذي ينتقل مع جيناته، كما يبدو، فنجله تومي لا يقل حماسة عنه لدعم فلسطين وشعبها.  
 
يصلح الزعيم العمالي، والشرطية الشجاعة، كل بطريقته، مثالاً على وجه بريطانيا المضيء لجهة مقارعة العنصرية والدفاع عن حقوق الإنسان. لكن السؤال هو: كم كان تأييدهما مؤثراً؟ ألم يكن كدعم مئات الآلاف من البريطانيين للعراق الذين ساروا في أضخم تظاهرة في تاريخ لندن (15 كانون الثاني 2003)، مطالبين بعدم غزوه، ولم تصل صرختهم إلى مسامع رئيس الوزراء يومها توني بلير؟
 
قيل الكثير عن مدى العداء المستفحل بين الصدق والسياسة. والصدق عند كوربين يتعانق مع رومانسية ثورية قد يسميها البعض طفولة يسارية. هذا الكوكتيل السام، ربما يكون قد دقّ المسمار الأخير في نعش الاشتراكية البريطانية التي يفترض أنها كانت "مرحومة" قبل انتفاضة كوربين بوقت طويل، ولو أن كارل ماركس اعتبر بريطانيا أوفر حظاً من غيرها بتحقيق الاشتراكية ومن ثم  تصديرها. 
 
 لكن الاشتراكية كانت ولا تزال حية بالنسبة  الى"حالم" مثل كوربين كان من أركان ما سُمي تندراً بـ"مجانين اليسار". فهو أراد للحزب أن يتبنى من جديد مبدأ الملكية العامة لوسائل الإنتاج، ويسعى الى تأميم شركات الخدمات الكبرى، وذلك بعد عشرين سنة من إلغاء بلير (1995) "البند الرابع" من دستور الحزب المتعلق بالملكية العامة لوسائل الإنتاج. وحاول كوربين إحياء الأفكار الطبقية للحزب ومبادئه المستمدة من الاشتراكية العلمية، مثل إعادة توزيع الثروات.  
 
لا شك في أن هذا الجموح مهّد لسقوطه. وزادت الطين بلة تهمة العداء للسامية التي هدفت إلى إطاحة كوربين لقطع الطريق على صعود اليسار التقليدي، وحماية إسرائيل من خصم عنيد. وساعد كوربين نفسه على نجاحها حين فشل في التعامل معها بذكاء أو شجاعة.
والحق أن عملية الفبركة هذه غير مسبوقة ومخيفة على أكثر من مستوى: استمراريتها، تأثيرها، المشاركون فيها وأقطابها، ومدى قدرة اللوبي الإسرائيلي على قلب المفاهيم والترويج لتضليل سافر بنجاح، حتى ولو كان على غرار "الثلج أسود". وهي معقدة إلى درجة قد تحمل البعض الى الشك بأنها مجرد نظرية مؤامرة لا تمتّ للواقع بصلة.
 
فاز كوربين في أيلول (سبتمبر) 2015 بالزعامة، بنسبة 59,9% بأعلى غالبية يحققها زعيم في تاريخ الحزب، وعلى نحو لم يكن متوقعاً ولا مقبولاً، من جانب اليمين النافذ. وقد دعمه الشباب ممن انضموا للحزب الذي ارتفع  عدد أعضائه من 200 ألف إلى ما يزيد على 500 ألف عضو. 
 
 وسرعان ما بدأت الاتهامات ضده بفتح أبواب الحزب على مصراعيها لجحافل المعادين للسامية. ثم كان رفضه تبني التعريف الذي وضعته منظمة "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهلوكوست" بسبب خلطه بين العداء للسامية، وانتقاد إسرائيل والصهيونية.
 
المفارقة أن من شأن هذا التعريف المسيّس بامتياز أن يجعل أينشتاين معادياً للسامية! لكن قامت الدنيا على كوربين ولم تقعد، حتى حين استسلم وتبنى التعريف كما هو، لاتّقاء شرّ الحملة التي استهدفته. لكن هيهات أن يتوقف أولئك الذين أرادوا رأسه. 
 
كانت مجموعة "حركة العمال اليهودية"، المؤلفة من عتاة الصهاينة من جناح اليمين الموالي لبلير، رأس حربة في الهجوم على كوربين. وانضمت إلى الحركة مجموعة رديفة هي "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال"، إضافة إلى "هيئة الإذاعة البريطانية" شبه الحكومية ومعظم الصحف الوطنية، بما فيها " ذا غارديان" و"ذا اندبندنت" اللتان تعتبران عموماً أكثر ليبرالية.
 
والتحق بالمجموعة "مجلس المندوبين" اليهودي، وكبير الحاخامات نفسه إفرايام ميرفيس الذي يترفّع عادة عن تعاطي السياسة، لكنه كتب عشية انتخابات 2019 في صحيفة "ذا تايمز" محذراً من أن كوربين "غير لائق لاحتلال المنصب الرفيع". كما أعرب جاستن ويلبي، كبير أساقفة كانتربري للكنيسة الإنجيلية الرسمية، عن تعاطفه مع الكثير من اليهود البريطانيين الذين كانوا يشعرون "بخوف عميق" بسبب كوربين، من دون أن يسمّيه. وتعالى صراخ الحكومة الإسرائيلية، كما تعهد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي (السابق) منع الزعيم العمالي من الوصول الى رئاسة الوزراء.
 
عن حجم الحملة، يقول غريغ فيلو ومايك بيري في كتابهما "أخبار سيئة لحزب العمال" (2019) إن 8 صحف بريطانية رئيسة علاوة على الـ"بي بي سي"، قدّمت في سياق الهجوم على كوربين بين 2015 و2019، 5500 قصة، أي قرابة 3 مواد يومياً على امتداد 4 سنوات، وهذا رقم مذهل فعلاً. الأدهى هو أن كل هذه القصص "اشتملت على أدلة محدودة أو كانت من دون أدلة على الإطلاق" لإثبات ما تزعمه، على حد تعبير الكاتبين.
 
وشوّهت هذه الحملة الشرسة صورة كوربين في عيون الناخبين الذين أفادوا في أحد الاستطلاعات بأنهم توقعوا أن تكون نسبة المعادين للسامية في الحزب الذي يقوده 34%، وهذه نسبة أكبر بـ300% منها في الواقع (0,08%). 
 
إلا أن هذا الهجوم لم يكن ليقضي على كوربين لولا رضوخه مرة تلو أخرى للجناح اليميني لحزب العمال باسم الحفاظ على وحدة الحزب، وعدم محاولته الدفاع عن نواب وقياديين عماليين حين أخذت حملة العداء المزعوم للسامية ترميهم خارج الحزب.  
 
كوربين، إنسان مخلص لمبادئه، خلافاً لسياسيين اشتهروا بالتلاعب بالحقائق، مثل اثنين من كبار خصومه: زعيم حزب العمال الأسبق بلير، وزعيم حزب المحافظين الحالي بوريس جونسون الذي جاء آخر كشف حساب بمجافاته الحقيقة من دومينيك كامينغز، كبير مستشاريه السابق، وهو أوصله عملياً إلى قمة هرم السلطة. 
 
لكن هذين الخصمين تسلّما قيادة البلاد نفسها التي خذلت كوربين خذلاناً صادماً في أول اختبار حقيقي لشعبيته في انتخابات عام 2019. ألم نقل إن الصدق عدو السياسة؟  





 
الكلمات الدالة