إعلان

المصالحة الخليجية... "يالله حيّه"

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
محمد بن سلمان مستقبلاً تميم بن حمد
محمد بن سلمان مستقبلاً تميم بن حمد
A+ A-
يقال: "أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي على الإطلاق". ورغم أن هذا القول لا يصح دائماً، لكنه في حالة المصالحة العربية مع قطر صحيح. 
 
نعم، تأخرنا كثيراً، وطويلاً، ونالنا الكثير من الأذى المادي والنفسي، الاقتصادي والسياسي والأمني والاجتماعي، الا أننا توصلنا أخيراً الى حلول ناجعة، ونظام محكم، حتى لا تتكرر خلافات وانتكاسات الماضي. تحقق ذلك بعد جهود مضنية خلال الأشهر الماضية، وعلى مدار الساعة بذلها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مفوضاً من قيادات الرباعي العربي، الإمارات والبحرين ومصر، مع الأشقاء في الجانب القطري، بقيادة الشيخ تميم بن حمد. وهكذا ضمنا قبل انعقاد القمة نجاح الوساطة الكويتية والأميركية وإنجاز الاتفاق الشامل الذي تم لإنهاء الخلاف وتوجيه الجهود للتنسيق الحالي والمستقبلي في مواجهة مهددات الأمنين الخليجي والعربي، وتداعيات جائحة كورونا الصحية والاقتصادية، وتأثيراتها في سوق الطاقة العالمية، واستكمال مشاريع الوحدة الخليجية على كل الصعد، وأبرزها تحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، بضمان حرية ومزايا العمل والتعليم والاستثمار والإقامة لكل مواطن في أي بلد خليجي. 
 
قطر منا وفينا، امتداد جغرافي واجتماعي للجزيرة العربية وسكانها. فأهلها هم أهلنا، وقبائلها قبائلنا، ومذهبها مذهبنا، ونظام حكمها كنظامنا، ولم يفرق بيننا يوماً إلا شريط حدودي قصير، يمر عبره الرعاة وحلالهم، ومركز حدودي لا يمنع مواطناً خليجياً من العبور.
 
والترابط الاجتماعي بين الأسر على جانبي الشريط توثّق بالنسب والمصاهرة. أما العلاقات الاقتصادية، فيكفي أن نعرف أن الخطوط القطرية كانت تنزل حتى في المطارات المحلية السعودية، لتخدم نحو 14 مطاراً، وعلى وشك المشاركة في تأسيس شركة طيران سعودية، وكان الطريق البري بين البلدين يزدحم كل نهاية أسبوع وفي الاجازات المدرسية يحمل الأسر والمتسوقين والسياح، حتى بلغ تعداد الزوار القطريين في شهر واحد "قبل الأزمة" 300 الف زائر، وغطت المنتجات السعودية 40 في المئة من الاحتياجات الغذائية القطرية، و60 في المئة من مواد البناء. 
 
إلا أن بعض من استغل الأزمة السياسية الطارئة بين الأشقاء، من الدول والجماعات والأفراد، استخدم كل أدوات الحملات الاعلامية والتدخلات السياسية والتحالفات المصلحية لتأجيج الخلاف وإثارة الفتن وإطالة عمر المشكلة. 
 
يقول سيدنا علي بن أبي طالب، (رضي الله عنه وأرضاه) "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، و أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما". مشكلة بعضنا انه إذا خاصم فجّر وأحرق الجسور. وإن كانت الذاكرة في ما مضى هي مخزن الجروح وأرشيف الأخطاء، فإنها اليوم مسجلة بالصوت والصورة في قواعد بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت في كثير من الأحيان الى وسائل التباعد الاجتماعي. 
 
وهكذا، فإن على من أسرف في التعبير عن غضبه وبغضه للطرف الآخر، أن يواجه مشاعره اليوم بعد المصالحة. فكل ما نفث عنه في ما مضى، كل تهمة ألقاها بدون تثبت، كل تجريح أصاب صاحبه، ومن حوله، كل كذبة وتهويل وتحريض مسجل عليه. ويمكن لمن أراد التذكير بالماضي أو إشعال نار فتنة أو تفنيد التوجهات المستجدة أن يرفعها بضغطة زر على حسابه في "تويتر" أو "فايسبوك" أو مجموعات "الواتساب". 
 
الثقة تبنى في أعوام وهدمها لا يستغرق ساعات. وعلى الذين خسروا ثقة الناس بتقلباتهم بين الحق والباطل، بين هذا المحور أو ذاك، ومن حولوا منصاتهم الإعلامية الى أبواق لمن يدفع أكثر، وعلى "المدرعمين" الذين أسرفوا في الدفاع والهجوم، حتى أخلّوا بقواعد اللعبة، عليهم اليوم أن يختاروا إما الصمت المطبق، أو الاعتذار المطلق، أو التحول من دون تفسير أو تبرير الى "الاتجاه المعاكس".
 
وفي توقعي، أن الخاسر الأكبر من هذه المصالحة بين الأشقاء في الخليج العربي ومصر العربية هم أولئك الأعاجم الذين حاولوا ركوب الموجه وتوجيهها لمصالحهم وتحصيل الفوائد المادية والاستراتيجية على حساب وحدة الصف العربي. كما ستخسر بالقدر نفسه جماعات الإسلام السياسي وفرق الخوارج ومرتزقة الإعلام والمعارضة ودكاكين حقوق الإنسان.
 
أما الرابح الأكبر، فهي الشعوب العربية التي آلمها هذا الخلاف والفراق، وتاقت ثلاث سنوات ونصف السنة، هي عمر الأزمة، الى السلام والأمان والخطاب العربي المنضبط. وأكثر المستفيدين من الأجواء التصالحية الجديدة، وعودة العلاقات البينية بين البلدان الشقيقة هم مواطنوها الذين تربطهم وشائج الدم والدين والمصالح المشتركة. 
 
ولعل الأمير محمد بن سلمان، عبر عن مشاعر كل سعودي عندما حيّا ضيفه الشيخ تميم بن حمد أثناء نزوله على سلم الطائرة، في مطار العُلا، بعبارة "يالله حيّه ... يالله حيّه" ثم أردف "نورت المملكة". وفي الوقت نفسه كان الفضاء السعودي قد فُتح للطيران القطري، وكذا المنفذ البري بين البلدين، وحيا السعودي أخاه القطري بالروح نفسها: "حياكم الله... نورتوا السعودية". 
 
ذكرني ذلك بقصة شهدتها في مكة المكرمة بعد أسابيع من بدء الخلاف عام 2017. كنا في شهر رمضان، قبيل أذان المغرب، وكان هناك عدد من أبناء العاصمة المقدسة، كعادتهم، يوزعون وجبة أفطار على من لم يلحقوا بيوتهم، عند إشارات المرور. سائق سيارة مع أسرته تلقى هذه الهدية وعلّق مازحاً: ولكني قطري! فرد ابن السعودية بعفوية وحماس: قطري وسعودي واحد!
 
هنيئاً للفائزين ... ولا عزاء للخاسرين. وأمل ودعاء في مطلع السنة الجديدة بأن يديم الله المعروف وأن تغلب الحكمة وينتصر الرشد وأن توضع الآليات التي تضمن عدم العودة الى أخطاء الماضي وأحواله. ما فات مات، فلنقلب صفحة جديدة، ونتذكر دوماً قوله تعالى: "ولا تنسوا الفضل بينكم".
 
@kbatarfi 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم