إعلان

الجزائر بين التطلع إلى المستقبل والخشية من تجدد آلام الماضي

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
A+ A-
يشعر كثير من الجزائريين بخيبة أمل كبرى بعد أن وقع الرئيس عبدالمجيد تبون على المرسوم الرئاسي الخاص بتعديل الدستور، وذلك بعد عودته من ألمانيا التي تلقى فيها علاجاً دام شهرين. فقد أمل هؤلاء المعترضون على التعديلات، أن يتراجع ساكن المرادية عن التوقيع وذلك بالنظر إلى نسبة المشاركة المتدنية في الاستفتاء والتي لا تمنح الدستور بصيغته الجديدة القوة المعنوية اللازمة التي يحتاجها.
 
تتضمن التعديلات الجديدة أيضاً، بنوداً اعتبرها البعض مقدمات لفتن آتية تدفع إليها أطراف خارجية لا تريد خيراً للجزائر وتسعى إلى ضرب وحدتها وتفتيتها إلى أقاليم صغيرة ضعيفة وربما متناحرة. وما التركيز على ذلك الكم الهائل من الحقوق والحريات العامة والفردية في التعديلات الدستورية الجديدة، إلا لذر الرماد على العيون، بحسب المعترضين عليها، والذين من بينهم موالون للرئيس تبون نفسه.
 
ومن بين الإشكاليات التي طُرحت وأثارت الكثير من الجدل بين الجزائريين هو الغموض حول شكل النظام السياسي، فهو نظام رئاسي صرف في حال فاز حزب رئيس الجمهورية بالإنتخابات التشريعية، وشبه برلماني في حال فاز حزب آخر لا علاقة له بالرئيس في هذه الانتخابات. ففي الحالة الأولى يعين رئيس الجمهورية وزيراً أول على رأس الحكومة أسوة ببعض الأنظمة الرئاسية، بينما في الحالة الثانية تقدم الكتلة البرلمانية الأهم في المجلس مرشحها لتشكيل الحكومة، وإذا نالت التركيبة تزكية البرلمان يسمى المكلف "رئيس الحكومة" كما هو الحال في الأنظمة البرلمانية.
 
ويرى المنتقدون للتعديلات الدستورية أن الكم الهائل من الحقوق والحريات الفردية والجماعية التي تضمنتها التعديلات هو فقط لذر الرماد في العيون ولإخماد صوت الحراك الذي أسقط نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة. فالنية اتجهت إلى إرضاء هؤلاء وضمان حيادهم وذلك لتمرير البنود التي تهدد وحدة البلد واستقراره، ومن ذلك الصلاحيات الواسعة التي ستمنح للحكم المركزي والتي تُعتبر كابوساً يؤرق مضاجع الوطنيين الذين يخشون النزعات الانفصالية لمنطقة القبائل شمال شرقي البلاد وللأقاليم الصحراوية الجنوبية التي تقطنها قبائل الطوارق.
 
ويشبّه كثير من الجزائريين ما يقوم به الرئيس تبون اليوم بما قام به الرئيس الراحل الأسبق الشاذلي بن جديد نهاية ثمانينات القرن العشرين من تعديلات أدت إلى العشرية السوداء التي عرفها البلد في عقد التسعينات والتي أريقت فيها دماء الجزائريين بأياد جزائرية. فقد طالب بن جديد، الذي أصبح رئيساً بدفع من المؤسسة العسكرية، خلافاً للتوقعات التي كانت ترشح هواري بومدين، عبدالعزيز بوتفليقة ومحمد صالح يحياوي، القيام بمراجعات تطاول تجربة الحكم منذ الاستقلال وما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية شملت تعديل الدستور باتجاه إقرار التعددية الحزبية.
 
ولعل ما يجعل البعض يمعنون في المقارنة بين الرجلين هو افتقار كليهما لتجربة سياسية مهمة سبقت وصوله إلى أعلى هرم السلطة في بلد المليون شهيد من جهة، وتشابه الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حكم فيها الرجلان. فعلى غرار ما يحصل اليوم عانت الجزائر في نهاية الثمانينات من القرن الماضي من أزمة اقتصادية خانقة بسبب تراجع أسعار البترول وهو ما أدى إلى استفحال الفقر والبطالة اللذين فجرا انتفاضة شعبية اجتماعية عام 1988 شبيهة بحراك اليوم وهو ما أجبر السلطات على التفاعل والبحث عن الحلول.
 
ويرى المعارضون للتعديلات الدستورية أن "إصلاحات" بن جديد منحت الفرصة لبروز التيارات الأصولية على الساحة بالنظر إلى قدرتها على توظيف الدين واستغلاله في عالم السياسة للعب على مشاعر البسطاء من خلال تقديم نفسها على أنها وكيل الله في الأرض والحامي لدينه، وتسبب بروزها في الصدام مع القوى الفاعلة في البلد وفي حمام دم يعاني الجزائريون من ويلاته إلى يومنا هذا، خاصة مع الأعداد الكبيرة من المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم إلى اليوم. في حين أن "إصلاحات" تبون، وبحسب هؤلاء، قد تمنح الفرصة للإنفصاليين في منطقة القبائل وغيرها للعمل في إطار القانون، وقد تشجع نزعاتهم المعارضة لوحدة الجزائر وسلامة ترابها وهو ما سيؤدي برأيهم إلى ما لا يحمد عقباه.
 
ويتساءل هؤلاء من سينقذ الجزائر مجدداً ويعيد لها أمنها واستقرارها في حال حصل انفلات في الأوضاع بعد أن فعل ذلك بوتفليقة نهاية الألفية الثانية بعد عشر سنوات من الدمار والخراب؟ هل سيعيد التاريخ نفسه في كل مرة رضوخاً لطلبات شارع لا يقدر العواقب ولا علم له بكواليس ما يحاك للجزائر في الخارج والداخل؟ وهل كان من الضروري أن تتضمن التعديلات الدستورية هذه الفخاخ المخيفة التي تنذر بحصول الأسوأ في المستقبل على مستوى وحدة البلد واستقراره؟
 
في المقابل يرى آخرون وتوافقاً مع بيان الرئاسة الجزائرية الذي جاء فيه أن هذه التعديلات هي لبنة أساسية لبناء جزائر جديدة تناسب وتتسع للجميع ولا تقصي أحداً، أن التعديلات الحاصلة في محلها، إضافة إلى أن توقيتها مناسب، تأسيساً لجزائر جديدة تواكب التطورات الحاصلة في المنطقة. فالتعديلات برأيهم تتضمن إيجابيات عدة ومن ذلك البنود المتعلقة بالحقوق والحريات والتي يمكن اعتبارها ثورة في حد ذاتها، ناهيك بتحديد الفترة الرئاسية بولايتين متتاليتين أو منفصلتين فقط، وذلك خلافاً لما كان سائداً خلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة الذي تم تعديل الدستور في عهده لتمكينه من الترشح إلى عرش المرادية إلى ما لا نهاية.
 
وتخشى أطراف عديدة من التجاذبات التي ستنشأ لمناسبة إجراء الانتخابات التشريعية والمحلية التي ستجرى قريباً وستمثل فرصة للرئيس تبون لكسب شعبية أوسع في صفوف شباب الحراك الراغب في التخلص من التوازنات السياسية التي طغت في السابق والتي يعكسها البرلمان الحالي والمجالس الجهوية والمحلية. كما يخشى من انفلات الأوضاع وتسرب أطراف خارجية إلى مفاصل الدولة في حال استمر الحراك في مطالبه التي يرى البعض أنها حادت قليلاً عن الخط الوطني بعد دخول أطراف ولاءاتها مشبوهة وغير معروفة ولديها الرغبة في التسلّق واستغلال الحدث.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم