إعلان

شيء عن السّودان وأفكار العسكر

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
عبدالرحمن سوار الذهب
عبدالرحمن سوار الذهب
A+ A-
وراء عناد الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان، ومحاولة الظهور في "إطلالاته" متماسكاً من دون حلفاء يقفون خلفه والى جانبه ببزات عسكرية ونجوم كثيرة على الأكتاف ونظرة تشي بالطاعة والولاء، خلف هذه المحاولة، التي تبدو غريبة على نحو ما، هشاشة عميقة وأخطاء كثيرة في الحسابات.
 
أخطاء تقليدية، شائعة في أوساط العسكر بأنواعهم، في قراءة الواقع وحركة الناس، تجلت في حال البرهان في سوء تقدير لمتغيرات الشارع وتوزيع القوى وحضورها، وتراكم تجربتها العلنية بعد عقود من السرية وفتح الكوات في جدران ديكتاتورية البشير، وفي سوء تقدير المسافة التي قطعها الشارع السوداني وثقته التي تعززت بقدرته على المواجهة بعد دروس الثورة والخروج من الكابوس الطويل الذي شهده بعينين مفتوحتين، خلال ثلاثة عقود من حكم البشير وشريحة الجنرالات ونفوذ جماعة "الإخوان المسلمين"، النظام الذي شكل ائتلافاً متماسكاً بين تأليف مدونة العقوبات والنزعة العسكرية وفائض الذكورية، وتحويل القمع الى تطبيق للشريعة، بحيث يبدو العقاب والمحرمات المظهر الوحيد لتطبيق الشريعة وجزءاً من العبادة، عبادة تحيط بالديكتاتور الذي ينفذ مشيئة الله وأحكامه، جدول من الإذلال الطويل يبدأ بالمنع والتحريم وتأويل القصاص والحدود، ويتواصل في جلد النساء، وهو مشهد كان مألوفاً خلال حكم البشير، ولا ينتهي عند الاعتقال والإخفاء وإبادة الخصوم. 
 
النظام الذي كان البرهان وزملاؤه مثل "حميدتي" قائد قوات "الدعم السريع" الصيغة النظامية لـ"الجنجاويد"، المتهمة بحرق القرى والناس والإبادة العرقية، من مكوّناته وأدوات فاعلة في مكائنه، وهي وظيفة كان يمكن أن تمتد لولا خروج الناس الى الشوارع في تسونامي شجاع وطويل النفس، دفع هذه المجموعة للتضحية برأس النظام لحماية جوهره وفلسفته تحت لافتة الانحياز للثورة وتقمص أهدافها والحديث باسمها. ثم الدخول في مفاوضات ماراثونية مع ممثلي الشارع حتى الوصول الى الوثيقة الدستورية وتقاسم السلطة، على مضض، مع المدنيين.
 
مكتبة البرهان وثقافته تكادان تكونان مقتصرتين على "كتاب الانقلابات"، حيث يمكن تذكر عقود طويلة من مشهد متكرر لضباط يستولون على محطة الإذاعة قبل أن يتلو ضابط متحمس "بيان الثورة"، بينما تحاصر مجموعة أخرى القصر الرئاسي حيث يعيش شخص سيّئ الطالع ترك النافذة مفتوحة. 
 
تقافز الضباط على كراسي السلطة وتدافعهم بالمناكب شكل على نحو واضح المظهر الرئيسي لتاريخ السودان الحديث، باستثناء الفصل الخاص بالجنرال عبد الرحمن سوار الذهب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، الذي كان في بداياته داعماً قوياً لديكتاتورية جعفر النميري، قبل أن يقود مرحلة انتقالية سلّم على إثرها السلطة الى حكومة منتخبة.
 
أستطيع هنا أن أتذكر أنني التقيت الجنرال سوار الذهب في مقره في الخرطوم عام 1986، كنت صحافياً شاباً ومتشككاً، وصلت الى مطار الخرطوم بعدما التحقت بوفد "مؤتمر الشعب العربي" الذي دفعه العقيد القذافي الى العاصمة السودانية بطائرة مظليين/ هيركوليز، من قاعدة جوية قريبة من طرابلس، صعدت الى الطائرة في الرابعة صباحاً ضمن تلك الوفود مع كاميرا وجهاز تسجيل صغير، كان المشهد داخل الطائرة سوريالياً تماماً، قادة الأحزاب اليسارية العربية، لبنان وفلسطين ومصر على وجه الخصوص وهم يهتزون على مقاعد المظليين القاسية المتقشفة الممتدة على جوانب الطائرة العملاقة، وفي منتصف الطائرة تتكوّم آلات طباعة ضخمة ولفائف هائلة من الورق، كان العقيد الليبي معنياً بوصولها الى السودان، الوجوه التي كانت تبدو جادة وواثقة وأنيقة في الصحافة والصور، كذلك في فندق الخمس نجوم في طرابلس، تبدو تائهة تماماً في جوف الهيركوليز، تعزز ذلك الارتباك إضاءة صفراء خفيفة تضيف شحوباً مضاعفاً على قادة "مؤتمر الشعب العربي".
 
في اللقاء السريع مع المشير سوار الذهب، وجهت سؤالاً وحيداً بدا استفزازياً، قلت بما معناه إن لا أحد يثق بوعود العسكر بتسليم السلطة الى المدنيين المنتخبين. سألني الرجل: من أين أنت؟ قلت: فلسطين. ولم يجب.
 
سوار الذهب الذي خلف جعفر النميري بعد هبة شعبية وسلّم السلطة الى المدنيين، هو نفسه الذي كرّس حكم النميري حين رفض تسليم "حامية البيضاء" عام 71 التي كان يقودها في انقلاب الرائد هاشم العطا الذي أعدمه النميري في ما بعد.
 
بين 1971 و1985 تمكن سوار الذهب من ترجمة تجربته وقراءة التحولات ورغبات الشارع، واتخذ قراره بتسليم السلطة والتفرغ للدعوة حتى توفي في السعودية 1918 ودفن في المدينة المنورة. 
 
لا يبدو أن البرهان قرأ التحولات التي أعقبت خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، وانقطاع زيارات وزير خارجيته بومبيو  على رحلات قادمة من تل أبيب، ولم ينتبه الى أن السودان تحت الضوء، وأنهم هناك في أوروبا يتابعون ما يحدث، وأن نتنياهو، وسيطه المبكر نفسه، يجلس في مقاعد المعارضة في الأوقات التي لا يذهب فيها الى المحكمة وعلى كتفه أربعة ملفات فساد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم