إعلان

العرب بين التطرف "الإسلاموي" والتعصب "الغربي"... هل من عصر أنوار جديد؟

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
مقاتلون من "داعش"
مقاتلون من "داعش"
A+ A-
بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، على يد تنظيم "القاعدة"، سُئل مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق ومهندس تحالف الجهاد الأفغاني زبيغنيو بريجينسكي: أرأيت ما جنته أفكارك؟ فأجاب: وما قيمة عشرات المسلمين الغاضبين؛ ثمناً لإسقاط إمبراطورية الشر السوفياتية وتحرير شرق أوروبا!... كلمات أهم مفكر إستراتيجي أميركي في القرن العشرين تفضح توظيف الغرب جماعات الإسلام السياسي المتطرفة؛ كي يستخدمها ورقة ضغط عند الحاجة. 
 
فالغرب الشره يشتهي ثروات الشرق المترنح ويكره شعوبه؛ يتحرش به، يغذي طوفان العنف الديني، يطلق وكلاءه وأسلحته على الجسد العربي، بقوة تتمثل للعرب أخطبوطاً يضربهم بأذرعه، يصبح بعضهم مضروباً أو محاصراً، أو معرضاً للابتزاز... تضيق بهم الأرض، تحشرهم في الممر الأخير، فيخلعون أعضاءهم كي يعبروا "الأزمة"... (لكن) إلى أين يذهبون بعد آخر الحدود؟ أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟ سؤال طرحه الفلسطيني محمود درويش، ما زال العثور على إجابته عسير المنال!
 
إنه سؤال لا يجوز طرحه، ما لم يسبقه سؤال أهم: هذا الذي يحمل سكيناً ويصرخ مكبراً وهو ينحر ضحيته، أو يلف حول وسطه حزاماً ناسفاً ويصرخ مكبراً، وهو يكبس زره ليتحول مع ضحاياه إلى أشلاء، والذي يصدم بشاحنته من لا يعرفهم، وهو يصرخ مكبراً... إلخ، هل هو بشر مثلنا؟ هل يعتنق ديناً مثل الذي نعتنق؟ ثم ماذا عن الذين يساندون أولئك الغاضبين، من الأنظمة والجماعات، ويبررون أفعالهم أو ينتحلون لهم الأعذار!
 
سقطة ماكرون
 
الإجابة ليست في سهولة السؤال... منذ قرنين تقريباً تأوّه أحد سلاطين المغرب، قائلاً: "داء العطب قديم"؛ حين أدرك أنه يهوي تجاه أزمات بلا حصر. اليوم تدل الحوادث المروعة، في كل شبر في المنطقة العربية، وعلى وقع الخصام بين المسلمين وبقية شعوب الأرض تقريباً، على أن المسلم بات معادلاً موضوعياً لـ"الإرهابي". أزمة خطيرة تتجلى في صور شتى، ولأسباب متباينة، مثلما حدث في قضية "الرسوم المسيئة" للرسول (صلى الله عليه وسلم)، في فرنسا، وما تبعها من ارتدادات مؤسفة. ما خفي أخطر: إن هذا العطب يتعمق، بما يجعل مصير الشعوب والدول العربية معلقاً بخيوط عنكبوت، تتأرجح هنا وهناك... الواقع العربي نزيف أزمات ومظاهر خلل سياسي واقتصادي وثقافي... والمحصلة سقوط حضاري وتغول الأعداء، يموت من يموت ويسقط من يسقط، في فلسطين أو سوريا أو العراق أو ليبيا، اليمن، الصومال ... ولا أحد يبالي.
 
وإذا كان من حقنا أن نرفض "سقطة الرئيس الفرنسي ماكرون"؛ عندما خرج مبرراً ازدراء نبي الإسلام على صفحات "شارل إيبدو"- قبل أن يتراجع، في حواره مع "الجزيرة"- بحجة الدفاع عن حرية الرأي والتعبير و"قيم الجمهورية"، متغافلاً عن أن هذه القيم ترى بعين واحدة، وأنها تصبح "عمياء"، حينما يتعلق الأمر بالهولوكست أو "العداء للسامية"، أو... أقول: إذا كان من حقنا أن نفضح ازدواج المعايير والنفاق الغربي، عندما يتعلق الأمر بـ"العداء للإسلام"؛ تحت يافطة "صدام الحضارات"، فإنه علينا بالتوازي أن نعترف بوجود الإرهاب "الإسلاموي" الذي فعل بنا وبالآخرين جرائم، تفوق آثارها الكارثية ما اقترفه التتار... انظر - على سبيل المثال - ما جناه "داعش" بحق العراقيين والسوريين والمصريين والليبيين وغيرهم من شعوب الدنيا، من استباحة الأرواح والأوطان!.
 
مجتمعات فاسدة
 
واقع الحال يشهد بأن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على كاهل العرب "والمسلمين" أنفسهم عما يجري، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للتطلع إلى عيوبنا والاعتراف بها، إن المشكـلات نفسها التي كنا نختلف بشأنها في أواخر القرن التاسع عشر، هي التي تشغلنا مطلع القرن الحادي والعشرين، هنا نجد أنفسنا مضطرين للاتفاق مع المفكر الأميركى بول كينيدي في كتابه "الاستعداد للقرن الحادي والعشرين"؛ إذ يرى أن معظم الدول العربية والإسلامية لم تستعـد بعد للقرن الحادي والعشرين؛ لأنها لم تصل بعد إلا إلى القرن التاسع عشر". وهي "دول متخلفـة عن الركب الحضاري... مملوءة بالعداوات والتنافس، وتضع الجماعات الإرهابية علامات استفهام حـول مستقبل كثير منها، وتعطي درساً مفيداً في سياسات القوى، يوضح كيف يلتهم القوي الضعيف!".
 
بينما يكشف المفكر المصري محمد السيد سعيد وجهاً آخر للمعضلة: ذلك أن أهم ملامح المشكلة العربية "ليس فساد السياسات والدول العربية، بل فساد المجتمعات. والواقع أن الاستثناء العربي هنا لا يكمن في أن العرب لم يدخلوا مرحلة بناء الدولة القومية الحقة، ولا أنهم فشلوا في بناء الأمة، أو أنهم لم يشيدوا دولة المؤسسات، ولا أنهم نسوا هدف الاعتماد على الذات. أهم هذه الملامح هو أن المجتمعات العربية ذاتها فاسدة، ولم تنتج حركة حقيقية لمناهضة الفساد، ومن ثمّ حركة حقيقية لإنتاج العاقل والمعقول، ومن ثمّ وضع بداية الانتصار على إسرائيل والاستعمار".
 
لكن، هل نناقض أنفسنا عندما نقول ذلك؟ هل نحن مصابون بفصام يجعل آراءنا تتأرجح كبندول الساعة، يميناً ويساراً؟... أعتقد أنه ليس فى ذلك تناقض، فمعظم البلايا جرّها علينا الغرب الذي يحرص منذ القدم على بقاء الشرق تابعاً متخلفاً وسوقاً واسعة، فى الوقت نفسه نحن من منحه هذه الفرصة؛ بضعفنا وتخلفنا وتفرقنا وخوار عزيمتنا، زمناً طويلاً. وحتى لا يبدو الأمر لغزاً أو أحجية، نترك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد يفك طلاسم هذا الواقع، بحثاً عن سقف آخر نحلق إليه، بعدما ضاقت بنا الحال. 
 
أسلوب السيطرة... والتحيز
 
فضح إدوارد سعيد، في "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" و"تغطية الإسلام"، رؤية الغرب للعالم العربي والاسلامي وأساليب السيطرة التي انتهجها الغرب لاحتلال الشرق وإخضاعه، بوصفها علامة دالة على القوة الأوروبية - الأطلسية إزاء الشرق، ما رسّخ صوراً مشوهة عن الإنسان الشرقي، بوصفه "إنساناً ذميماً، في كل شيء، عديم الرحمة والإنسانية، ومن ثم لا يستحقهما"، وخلق نوعاً من "التحيز الشعبي"، أو صورة ذهنية سلبية، ضد الإسلام والعروبة، حتى السياقات المعرفية والأكاديمية تأسر العربي أو المسلم داخل شبكة من العنصرية والتنميط الثقافي والإمبريالية السياسية والعقائدية التي تقضي على إنسانية الإنسان... حيث يتجلى صوت السيد الغربي الأبيض المتمركز حول ذاته الذي يقف وحده في طرف، وبقية العالم في طرف آخر، يستلزم حجراً صحياً وفكرياً على هذا العالم...!.
 
يلفت سعيد نظرنا إلى أن هذه النظرة أفضت إلى غياب كلي لأي موقف تعاطفي مع قضايانا، بينما يصل التعاطف إلى درجة التوحد مع مصالح ومواقف "الكيان الصهيوني"، يستوي في ذلك الكتب المدرسية والأفلام والكاريكاتور التي يكثر فيها تصوير المسلمين كموردي نفط وإرهابيين وعطشى للجنس والجواري، بما يجعل حيّز التعاطف مع أي شأن إسلامي ضيقاً حرجاً.
 
تحالف الشياطين
 
ينحي إدوارد سعيد باللائمة على ورثة هذه المعرفة الذين يملكون الشرق الحديث، سواء كانوا من النخبة المثقفة التي استوردت أفكارها عن التحديث والتقدم من الولايات المتحدة بصورة رئيسية، أو من المفكرين الراديكاليين الذين أخذوا ماركسيتهم بالجملة من نظرة ماركس التسلطية إلى العالم الثالث، يساهمون ويشاركون في "شرقنة الشرق". وأشد ما أقلق سعيد إضافة إلى سيادة الخطاب الاستشراقي المتعالي المزدري للآخر (المسلم)، هو حالة التبعية الفاقعة التي يعيشها العالم العربي لأميركا، بوصفها "تتويجاً لعصر من الاستشراق الممتد"، وما يثير الإحباط من وجهة نظره أن الدارسين العرب تحولوا إلى مخبرين محليين عن مجتمعاتهم - ومن هنا نقده الحاد لأمثال كنعان مكية وفؤاد عجمي - أي نخبة تقف ضد الجماهير، تشرحها وتقدمها "وجبة جاهزة" لمن يستطيع التهامها!... صدع إدوارد سعيد بالحق، مشتبكاً بقسوة مع "لا عدالة" المواقف الغربية في التعامل مع قضايانا المصيرية، ومن بينها القضية الفلسطينية (سبب رئيسي للغضب والعنف)، وأزاح النقاب عما يمكن وصفه بتحالف الشياطين، بين أميركا وأطراف إقليمية ودولية، لإضعاف العرب وتقسيمهم، في ما سماه "تغطية الإسلام". يؤيد ذلك ما كتبه بريجينسكي في كتابه "فرصة ثانية" على نحو يعكس إحدى الصفات الثابتة للتفكير الغربي، تجاه جميع الشعوب التي لا تنتمي إلى محيطه الحضاري أو العقائدي.
 
حصان طروادة
 
لقد أذاقنا الغرب مرارة الاستعمار، وما زال يسعـى إلى الهيمنة علينا، وأهم أوراق اللعب فى يده هي "الإسلام السياسي"؛ لأسباب منها: أن الجماعات المتأسلمة العنيفة عوامل فرقة وخراب في أوطانهم؛ إنهم "حصان طروادة"، عدو داخلي أمره بيد الخارج، ليهدم المعبد على من فيه... من أنشأ جماعة "الإخوان المسلمين"، وما زال يدعمهم ويدافع عنهم بضراوة، بل من الذي أوجد "القاعدة"، ومن الذي صنع "داعش"؟!... إن أي شخص يعتقد أن هناك دوراً لـ"داعش" أكثر من إراقه دماء العرب أولاً، وتمزيق بلادهم، فهو مخطئ... فلا "الإخوان" كان دستورهم القرآن، ولا الخلافة الرشيدة كانت غاية "طالبان" أو"بوكو حرام"، ولا "القاعدة" نصرت الإسلام، ولا حتى إيران (الإسلامية) فعلت، ولا يطمح السلطان أردوغان إلا في التمدد والهيمنة... الخلاصة: إن أصحاب اللحى إذا دخلوا ثورة سرقوها، وإذا حكموا دولة فتتوها وقسموها. الأرجح أننا سندهش لو قرأنا "أوراق" الدكتور جمال حمدان، وتحليله الكاشف لظاهرة الإسلام السياسي وجماعات العنف ومدى ارتباطها بالتصورات الغربية للمنطقة العربية، يقول: إن "الحركات الإسلامية المتطرفة هي وباء دوري يصيب العالم الإسلامي، في فترات الضعف السياسي أمام العدو الخارجي. وهي نوع من التشنج الطبيعي؛ بسبب عجز الجسم عن المقاومة، ثمّ الآن تحوّلت إلى وباء شامل، يتحوّل بدوره إلى وباء مزمن". يتهم حمدان الغرب بأنه "أكثر من أراد أن يوظف الإسلام سياسياً"؛ بهدف الهيمنة على العالم الإسلامي و"استغلاله وتسخيره لاستراتيجيته الكوكبية العدوانية".
 
ألم تكن واشنطن ولا تزال أكبر حليف لجماعات الإسلام السياسي، منذ استقبل الرئيس رونالد ريغان زعماء الميليشيات الأفغانية في البيت الأبيض، وشبههم بـ"الآباء المؤسسين لأميركا"، أليست "لندن" المقر الرئيسي لتلك الجماعات تنسج على أرضها مخططاتها، تحت بصر المخابرات البريطانية أو بإيعاز منها. فقط عليك أن تقرأ كتاب إيان جونسون "مسجد في ميونيخ" لتعرف أن أدوار أجهزة المخابرات الغربية في "استنبات" و"تخليق" الجماعات الإسلاموية، مثلما حدث في أفغانستان لتدمير الاتحاد السوفياتي... ولك ألا تندهش أن باريس التي هاجم الرئيس الفرنسي ماكرون (رجل المصارف) الإسلام وأتباعه - قبل أن يتراجع - تغمض عينيها عن 138 جمعية ومركزاً لجماعات إسلاموية متطرفة في فرنسا. هكذا تستشري ظاهرة "الإسلاموفوبيا" غرباً وشرقاً، إلى درجة أن "كل مسلم بات في نظر شعوب كثيرة مشروعاً لإرهابي محتمل"، فأي غبن هذا؟ لقد ذكرت "نيويورك تايمس" أن المسلمين الفرنسيين يتساءلون: هل أصبح وجودهم مرفوضاً وباتوا "العدو من الداخل"؟.
 
ظلم فادح لا يغتفر يأخذ نحو ملياري مسلم مسالم، بجريرة "حفنة غاضبين دمويين"، يسيئون فهم الدين ويسيرون ضد مقاصده الإنسانية الرحيمة، التي جعلت الحفاظ على النفس والعقل والدين والمال ركيزته الأساسية، الدين الذي جعل قتل "نفس واحدة" يضارع "قتل الناس جميعاً"، وإحياء "نفس واحدة" يعادل "إحياء الناس جميعاً". 
 
يحدث ذلك بمباركة جهات نافذة في الغرب، ومجموعات اليمين الغربي المتعصب التي تستخدم "الإسلام والمهاجرين" فزاعة للقفز على الحكم، أما الفاعل الأصلي فهو أنظمة تابعة ومستبدة في الشرق، تقدم كل صور الدعم والتمويل لتلك الجماعات من أجل الوصول إلى خرائط نفوذ جديدة؛ مثلاً، أنظر كيف توظف تركيا جماعات الإرهاب والمرتزقة في تفتيت سوريا والعراق وليبيا واليمن... وقضم أرضها وثرواتها وقرارها، قطعة تلو القطعة، والغريب أن هذا يجد دعماً من أطراف عربية وأجنبية، ومثلها تفعل إيران، ثم ألم تكن إسرائيل تعالج جرحى "داعش" على حدود الجولان؟.
 
لا.. للمؤامرة
 
لكن بعيداً من أي معيار أخلاقي أو إنساني، هل أخطأ الغرب في أن يفعل بنا ما يفعل حالياً، ألا يحق له الدفاع (عما يراه) مصلحته؟، ألا تفعل كل الشعوب ذلك لتأمين مصالحها وإقصاء خصومها؟ وإلى متى نظل أسرى نظرية "المؤامرة"؟. إن الاقتناع بفكرة المؤامرة الغربية، ربما يكون أخطر من وجود المؤامرة نفسها، فهو يعفينا من مواجهة عيوبنا وإصلاحها، ما دمنا على الدوام ضحايا مؤامرة الغرب المتنمر... إن أحـداً لا يود أن يبرّئ الغـرب من محاولات السيطرة على العالم، لكنها محاولات لا تنجح إلا مع الضعفاء، ما يستلزم امتلاك أسباب القوة والمنعة في مواجهة أي منازلة حضارية، بصرف النظر عن هوية الطرف الآخر فيها، غربياً، شرقياً، شمالياً، جنوبياً... علينا أن نوقف محركات التدهور والإنهيار المتمثلة أولاً في: انتشار الفقر بمختلف مظاهره، من الجوع والظمأ والحرمان والمرض والجهل والتشرد وإهدار الكرامة والاستبداد والتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأن نكافح ثرثرات الحلال والحرام، والتطرف والعنف والإرهاب التي ينشرها بعضنا، بزعم الدفاع عن الإسلام وهو منها براء. إن أعظم قيمة في الإسلام - فى تقديري - أنه دين (العدل)، ومن قبله الرحمة والتسامح، لا القتل وسفك الدماء... وتلك خطوة على طريق طويل، بدلاً من الركض خلف السراب والأوهام، والاكتفاء بالاستغاثة من "الذئب" الذي لن يستطيع نهشنا، لو رفعنا منسوب أسوارنا يوماً بعد يوم.
 
عصر أنوار إسلامي
 
تقدم لنا الحضارة الغربية نفسها درساً قيّماً، في هذا المنوال، بعد قرون من حكم الكنيسة باسم الرب ومحاكم التفتيش والحروب الدينية التي تجاوز ضحاياها عشرات الملايين من القتلى والمحروقين، بزُغ عصر النهضة والأنوار، وتمت هزيمة الكنيسة المتحالفة مع الفدرالية في أوروبا القروسطية، فكرياً، في الأوساط المدنية، وكان ذلك كفيلاً ببدء عملية تطوير العقل الأوروبي، وبقيام الدولة القومية تجذرت فكرة السيادة للشعب... تبدو الظروف أصعب في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، لعدم وجود كنيسة موحدة يمكن تحدي سلطاتها. الأخطر أن الكهنوت الغوغائي صار شيئاً شخصياً تحمله بضعة ملايين، يعتقدون أن أوهامهم هي صحيح الدين، فيتحول الشخص منهم إلى "مفتٍ" يفتي بتكفيرك، وينفذ الحكم فيك بإزهاق روحك، تقرباً إلى الله... إن معاداة العقلانية في مجتمعاتنا تصنع "عداوة متوهمة" بين الدين والعلمانية، على غير أساس، قتل القوم طائر النورس (العقل) فتاهوا في بحر الظلمات والتخلف، حتى إن 80 في المئة من ضحايا الإرهاب مسلمون، كما ذكر ماكرون.
 
لذلك نقول بيقين: إن واقعة "الرسوم المسيئة" بوصفها تطاولاً على نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، ومشاعر أتباعه هي خيانة لعصر الأنوار نفسه، فحرية التعبير ضرورية شرط ألا تقترن بالعدوان على الآخر وجرح مشاعره. أيضاً يجب الاعتراف بشجاعة الرئيس الفرنسي، عندما قال إنه "يتفهم مشاعر المسلمين وإن حكومته لا تقف وراء الرسوم المسيئة"... سواء كان هذا نتاج مراجعة أم الغضب والمقاطعة، فإنه موقف يُحسب له، وينبغي البناء عليه، لأن الصدام الحضاري ليس في مصلحة أحد، ولن يستفيد منه إلا المتطرفون من الجانبين، وحتى نحدّ من تكرار حوادث مشابهة، علينا أن نبدأ بإصلاح مجتمعاتنا العربية على كل المستويات، ومطاردة السفاحين الذين يتمسحون بالإسلام زوراً، حتى تستريح الشعوب من شرورهم وتتفرغ لعمارة الأرض، في عالم مؤلم ومتربص بطبيعته، لا بالمؤامرة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم