إعلان

العراق ... سقوط الحكومة والانتخابات

المصدر: أمين ناصر - النهار العربي
البرلمان العراقي
البرلمان العراقي
A+ A-
كان من المفترض أن تسلك الأمور مساراً طبيعياً اعتيادياً بعد أن انبثقت الحكومة العراقية بالتوافق بين الكتل الكبيرة، وهم أبرز اللاعبين في المشهد العراقي منذ سقوط نظام صدام حسين وحتى لحظة "تشرين" الفاصلة. تلك المشهدية التي جذبت انظار العالم أجمع صوب العراق، بعد أن خرج آلاف العراقيين شباناً وشابات، شيوخاً وأطفالاً، رجالاً ونساءً، على الطبقة السياسية بما يعرف بحراك أقرب الى الثورة، امتد الى معظم مدن ومحافظات العراق، في الجنوب والوسط انطلاقاً من ميدان التحرير وسط بغداد تحت نصب الحرية.
 
لم تكن الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي والبرلمان الذي انتجها محل قبول كبير لدى مشكّلي الحكومات العراقية المتعاقبة. فالخطوط الحمر واضحة حتى داخلياً، لا بل نجفياً. وهذا أمر متفق عليه، خصوصاً مع إغلاق مكتب سماحة المرجع علي السيستاني أبوابه بوجه جميع أرباب السياسة في العراق من شيعة وسنّة وأكراد، وأي حديث عن حوارات سرية أو علنية يقودها نجله أو وكلاؤه مغلوط لا بل عارٍ من الصحة بحسب الناطق باسم المرجع السيستاني المقيم في بيروت المحقق حامد الخفاف.
 
والتوافق على عادل عبد المهدي شأنه شأن التوافق على حيدر العبادي من قبله، مع فوارق بسيطة. فحكومته التي أنتجتها كل من الكتلة الأقرب الى الأكبر في انتخابات 2018 أي الكتلة الصدرية "سائرون" وكتلة الفتح "الحشد وفريقه"، بالاتفاق مع الأكراد والسنّة، اسقطتها المرجعية بخطبة علنية تاريخية، بناء على إرهاصات الشارع والضحايا والدماء.
 
لكن ما حصل لم يهز الثالوث الذي نتج من انتخابات 2018، بل كانت الإطاحة من نصيب الحكومة ووزرائها، في وقت حافظ فيه برهم صالح على موقعه كرئيس للجمهورية ممثّلاً "حزب الاتحاد الكردستاني" المناوئ لمسعود البارزاني وبالتوافق مع "الحزب الديموقراطي" بزعامة مسعود نفسه.
 
الأمر عينه حدث مع الشاب "الحلبوسي" رئيس مجلس النواب، والداخل إلى السياسة من أوسع أبوابها، رئاسة المجلس النيابي في عراق ما بعد السقوط، وهو بذلك يدخل موسوعة العراق الحديث. فلا كتلة وازنة خلفه ولا أصوات ناخبين ولا حزب راديكالي قديم معارض او منضوٍ تحت سلطة!
 
بعد سقوط حكومة عبد المهدي، تشكّلت الحكومة اللاحقة برئاسة مصطفى الكاظمي، بعد محاولات عديدة باءت بالفشل واسماء تم حرقها أو عجزت عن التشكيل واعتذرت. وبقيت اللعبة في صالونات زوار بغداد أميركياً وإيرانياً، فرأي من السيد عمار الحكيم يجابهه رأي مغاير من الرئيس الأسبق نوري المالكي، ورأي من السيد مقتدى الصدر يجاريه رأي من القيادي في الفتح (الحشد) هادي العامري: الرئيس محصور بالبيت الشيعي، وهي مسألة يجب الحفاظ عليها، برغم كل الأصوات التي تعمل على مزج هذا المسمى أو ذاك.
 
تم تكليف الكاظمي بالتشكيل، ونجح بعد أن فشل الزرفي المكلف رسمياً من رئيس الجمهورية والموقِّع على بياض للكتل الشيعيّة. وتراجع الحراك بعد أن أصبح مثل قميص عثمان، وكل يدّعي به الوصل، وسط محاولات ما زالت مستمرة لتسفيره او ربطه بجهات خارجية.
 
وكانت للمرجعية التي أطاحت عبد المهدي شروط للحكومة الجديدة: انتخابات مبكرة تجريها مفوضية مستقلة بموجب قانون جديد. اما الانتخابات المبكّرة، فقد تمت الدعوة اليها بالفعل رغم تغيير موعدها لأكثر من مرة، وهو أمر لزم به نفسه الكاظمي والمفوضية والكتل جميعاً، رغم وجود حديث عن عدم الرغبة في ذلك. ولا يزال القانون الانتخابي محط انتقاد حتى اللحظة، ذلك أنه قسّم العراق الى دوائر مناطقيه متعدّدة، ليصبح أقرب الى مجالس المحافظات أو المجالس البلدية، بعد أن كانت بغداد دائرة انتخابية واحدة في الانتخابات الأخيرة والعراق دائرة واحدة في الانتخابات التي سبقتها.
 
وفي وقت يمكّن القانون الانتخابي الجديد الأحزاب الراديكالية من تحشيد جماهيرها "حزبياً، طائفياً، عرقياً، مذهبياً ومناطقياً"، ويمنع على المستقلين والوطنيين العبور الى مناطق أخرى تتيح للناخب حرية الاختيار من دون التعرض الى مضايقات في مناطق سكنهم ووجود المرشحين الصقور أو الحمائم لا سيما الراديكاليين منهم في مناطق سيطر عليها النفوذ الحزبي لأكثر من عقدين، وبالتالي فإن تقسيم الدوائر على أربعة فائزين، من ضمنهم مرشّحة امرأة تفوز بـ"الكوتا"، يمنع الأصوات الأخرى التي اعتقدت أن مسار الديموقراطية تحوّل الى ما يصب بمصلحتها لا سيما بعد "ثورة تشرين"!
 
وهنا لا بد من الإشارة الى أن المرجعية الدينية في النجف الأشرف تنفي نفياً قاطعاً أن يكون هذا القانون قد مُرّر لها أو عُرض عليها من قريب أو بعيد حتى كمسودة!
 
كذلك وقع الاختيار على أسماء تمثل المكوّنات المجتمعية العراقية بخمسة أعضاء مقسمة بين العرب من شيعة وسنّة وأكراد.
 
التحقيق بالدماء
أما في ما يتعلق بالتحقيق في دماء شهداء "تشرين" الثمانمئة والجرحى الذين فاق عددهم الـ21 الفاً والموزّعين على بغداد والمحافظات الشيعية حصراً في الوسط والجنوب، فهو أمر ما زال يبحث عن إجابات حتى اللحظة، وسط تسريبات عن تورّط جهات أمنية رسمية في ذلك.
 
انتخابات 2021 لن تقدّم للعراق الحلول السحرية، بل ستعيد تثبيت الأحزاب والكتل السياسية الكلاسيكية، وسينتج من ذلك تباين طفيف على مستوى التحالفات التي ستنساق للسياق القديم نفسه في اختيار الرؤساء الثلاثة وبالتالي اختيار الوزراء والسفراء والمدراء العامين.
 
العراق الديموقراطي الجديد هو عراق شراكة سياسية وتحاصص مذهبي وعرقي وإثني وطائفي، ولا غلبة فيه لصوت أو طرف على آخر، فاللاعب الإقليمي ما زال بالقوة ذاتها، كما أن خطوط واشنطن الحمر ما زالت ذاتها، وكذلك خطوط المرجعية في اختيار الرئيس المقبل لتشكيل الحكومة، بمعنى أن لا رئيس لوزراء العراق في الدورة المقبلة من دون رضا كل من السيد السيستاني وواشنطن وطهران.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم