إعلان

هل العرب متخلّفون عقلياً؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
مشروع منطقة نيوم
مشروع منطقة نيوم
A+ A-
قال صديقي المثقف: ألم تلاحظ أننا كعرب لم نكن يوماً أصحاب علوم ومعارف، وأن أشهر العلماء والأطباء والمحدثين كانوا فرساً أو تركاً؟
 
أجبته: هذه دعاية فارسية، عثمانية، فالبخاري مثلاً لم يكن فارسياً، ومثله كثير من العلماء ذوي الأصول العجمية. والعروبة هي ثقافة وليست عرقاً، وإلا لما بقي من العرب إلا أهل الجزيرة العربية. وحتى هؤلاء فيهم العرب العاربة والعرب المستعربة، وسيد البشر (صلوات الله عليه وسلم) من عدنان، من نسل إبراهيم (عليه السلام)، ولم يكن ابراهيم عربياً، ولكن ابنه إسماعيل (عليه السلام) أصبح كذلك عندما استوطن وذريته، مكة المكرمة.
 
مهد الرسالة
العرب أصحاب رسالة، اختصهم المولى عز وجل بأن انزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وأنزله على نبي عربي من أشرف قبائل العرب نسباً، قريش، التي اختصها الرحمن بخدمة بيته ورفادة وسقيا ضيفه.
 
العرب أصحاب قيادة وهمة وريادة، حملوا مشعل النور الى العالم كله، فاتحين ومبشرين، قادة وحكام. فيهم النبوة والخلافة والقيادة. فكثير من الأنبياء عرب، من اسماعيل وشعيب وهود وصالح، وحتى خاتم المرسلين محمد (عليهم أفضل الصلاة والتسليم). كما خرج منهم الخلفاء والملوك والفاتحين.
 
وفي العهود التي حكمها العرب على مدى ألف عام، وصل الإسلام إلى الهند والصين، صقلية وأسبانيا، بخارى والقسطنطينية، المغرب والنوبة. وازدهرت في تلك العهود المعارف والعلوم الكونية، كالفلسفة والطب والهندسة والرياضيات، وبنيت أرقى المدن، من دمشق وبغداد والقدس وحتى سمرقند والقيروان وغرناطة. وفي جامعاتها ومدارسها ومكتباتها تخرّج العلماء من عرب وعجم، مسلمين ونصارى ويهود، وعملوا في دواوين الخلفاء وتحت إدارتهم وتشجيعهم.
 
ثقافة وحضارة
الإسلام والثقافة العربية هي التي جمعت كل هؤلاء النوابغ، والإدارة العربية هي التي فتحت لهم أبواب المعرفة، وأعادت بيئة نشرها وتطبيقها، من دون تحيز لعرق وأصل وفصل. وكان هذا هو سر النجاح وأساس التفوق على الحضارات الأخرى. فتطور العالم الجديد، في الولايات المتحدة الأميركية إنما تم على يد المهاجرين من كل أنحاء العالم، ومنهم العرب. ولمن ينفي حضور العرق العربي في تاريخ الحضارة الإسلامية، نذكره ببعض أبرزهم، كأبن خلدون، وأبن بطوطه، وأبن رشد، والخوارزمي، وأبن البيطار والأدريسي. أما علماء الفقه والحديث، فلا حصر لهم.
 
وعندما انهارت الخلافة العربية، وحكمت الإمبراطوريات العجمية، المغولية والفارسية والعثمانية، تأخرت الثقافة والعلوم، وتراجع التقدم الحضاري، وخسر العرب أمام الأمم الأخرى. وتكفي المقارنة بين حال دمشق وبغداد عاصمتي الخلافة الأموية والعباسية تحت حكم العرب، وحالهما تحت حكم غيرهم.
 
حكم العسكر
وللمفارقة المرّة، فقد استعاد العرب بعض ما فقدوه تحت نير عجم الشرق، عندما حكمهم عجم الغرب. فازدهرت من جديد بغداد ودمشق والقاهرة وعدن والخرطوم وتونس والجزائر والدار البيضاء، واستعادت بعض وهجها، وحصل أبناؤها تحت حكم الملكيات العربية والحماية الأوروبية على فرص التعلم والتمدن والحريات وحقوق الإنسان، وساهموا في بناء أوطانهم والعودة بها، من جديد، على طريق الحضارة.
 
ثم جاءت الثورات والانقلابات، وحكم العسكر في معظم بلدان العرب، وسادت العقائد العجمية اليسارية والرأسمالية، على حساب العقيدة والثقافة العربية، وكانت النتيجة ما آلت اليه أحوال الأمة من تأخر وجهل، فقر ومرض. وتكفي المقارنة بين الحال اليوم وما كانت عليه دول ملكية كالعراق التي كانت نسبة التعليم تقترب فيها من المئة في المئة، وجامعاتها تصنف ضمن أفضل الجامعات الدولية، ومدنها من أجمل مدائن العالم، وحال مصر التي كانت تصدّر خيرة العلماء والأطباء، المهندسين والمدرسين، عندما كانت القاهرة تصنف أجمل مدن العالم، والإسكندرية من أعظم المصائف، وحال السودان الذي كان سلة غذاء العالم العربي، وفيه أفضل كليات الطب وجامعة الخرطوم تعد من أرقى الجامعات.
 
التعليم والتنمية
والعربي عندما يمنح الفرصة ينجح ويتفوق، وفي دول الخليج، اليوم، أمثلة كثيرة. ومن ذلك، وليس كله، ما حققه أبناؤنا وبناتنا المبتعثون من نجاح وتفوق في جامعات الغرب والشرق، وما حققته جامعاتنا ومراكزنا البحثية ومختبراتنا العلمية من تقدم على قوائم أفضل الجامعات والمراكز والمختبرات الدولية، وما حققناه على أرض الواقع من تطور وتنمية، ومن مدن ومشاريع ذكية كمنطقة "نيوم"، ومن مؤسسات ومنشآت تدار بالذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية، ومن عضوية أقوى اقتصادات العالم، كمجموعة العشرين، ومن استضافة لأكبر الأحداث، كمعرض اكسبو هذه السنة وكأس العالم 2022، وأعظم الجامعات والمراكز الحضارية كفروع هارفرد وأوكسفورد ومتحف اللوفر.
 
وبينما تراوحت نسبة الانفاق على التعليم في الدول الصناعية المتقدمة ما بين 5 و6 في المئة من اجمالي الدخل القومي خلال السنوات الأخيرة، ترتفع هذه النسبة الى معدل 8 في المئة في السعودية، التي انفقت خلال عشر سنوات فقط ما يناهز 400 مليار دولار، ومجموع الانفاق في دول الخليج مجتمعة حوالى 90 مليار دولار سنوياً، 60 في المئة منها في السعودية.
 
مسرح العالم
وعلى المسرح الدولي أيضاً، حقق علماء ومفكرون عرب مكانة وريادة في مجالات علمية ومعرفية عديدة، وساهم بعضهم في الوصول الى الفضاء وتحقيق فتوحات طبية وعلمية، وهناك من فاز بجائزة نوبل للسلام، وأذكر من المبدعين الروائي نجيب محفوظ، والعالم الجيولوجي -الكيميائي في الـ"ناسا"، الدكتور فاروق الباز، وعالم الكيمياء البروفسور أحمد زويل، ورائد الفضاء، العقيد طيار سلطان بن سلمان، وعالم الفضاء ورائد جراحة القلب الطبيب مجدي يعقوب، وعالم الكيمياء الفيزيائية، جليل خفاجي، ومخترع علم "الميزومتيورولوجي" للأرصاد الجوية البروفسور عبدالجبار عبدالله، ومهندسة الصواريخ والمركبات الفضائية في الـ"ناسا" مشاعل الشميمري، وعالمة التقنية الحيوية، الطبيبة حياة سندي. وهؤلاء غيض من فيض، وليعذرنا من فاتنا ذكرهم.
 
درب القيادة والنصر
إذن العرب أهل حضارة وقيادة وريادة، والذين يشككون في ذلك إنما يخدمون أجندة العجم من فرس ومن ترك، وأطماعهم في قيادة العالم العربي. ولا يختلف ذلك في عنصريته عن اتهام الرجل الأبيض للأفارقة والآسيويين (ونحن معهم) بالهمجية والتخلّف العقلي، وبالتالي ضرورة استعمار مناطقهم للارتقاء بهم وفض منازعاتهم وحسن إدارتهم.
 
والمشكلة ليست في تخلّف العقل العربي وتفوق العجمي، وإلا لم يخترهم المولى وهو الأعلم بخلقه لحمل رسالته، ولكن في قبول بعضهم بالدونية والاستسلام للعجم، وإشاعة ثقافة اليأس والإحباط والخنوع ... ومنهم للأسف مثقفون كانوا هم الأجدر بالاعتزاز بتاريخهم وثقافتهم وإحياء الروح التي بها ساد أجدادهم الدنيا ومن فيها.
 
العربي لا يحتاج أكثر من بيئة صحية للتعليم والنمو والانتاج ليبدع ويزدهر ... يقود وينتصر. والسؤال المحوري كما أراه: هل أنظمة الحكم في الدول العربية هي من بين محفزات التخلّف ومثبطات التقدم؟
 
Twitter: @kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم