إعلان

الهيمنة الاستعماريّة على الصّحراء الأفريقيّة وعلاقتها بالإرهاب

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
جنود فرنسيون في مالي
جنود فرنسيون في مالي
A+ A-
تحذّر تقارير عديدة في أكثر من بلد مغاربي في الآونة الأخيرة من رصد تحركات لافتة لجماعات إرهابية في الصحراء الكبرى الأفريقية، خصوصاً لتنظيم "داعش" الإرهابي وما يسمى بتنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي. ولعل التحولات الحاصلة اليوم في ليبيا، والرغبة المحلية والدولية في إنهاء وجود المقاتلين الأجانب في موطن عمر المختار، ومن ذلك التنظيمات التكفيرية، ساهمت في إعادة تموقع هذه الجماعات.
 
وتعتبر الصحراء الكبرى مستقراً للجماعات التكفيرية وأيضاً بؤرة من بؤر التهريب لمختلف البضائع، بما في ذلك السلاح والمخدرات، خصوصاً بعدما شددت أوروبا مراقبة سواحلها الأطلسية لمنع إيصال المواد المخدرة إليها من أميركا اللاتينية، فاستقر بعض أباطرة هذه السموم من الكولومبيين في عدد من بلدان غرب أفريقيا التي أصبحت قاعدة لطريق جديدة تعبر الصحراء الكبرى، ويتم من خلالها إيصال الكوكايين والهيروين وغيرهما إلى القارة العجوز من بوابة إسبانيا. وإن دل هذا على شيء فعلى الفشل الذريع في محاربة الإرهاب لدول ما يسمى الساحل والصحراء، وكذا لمستعمرها السابق الفرنسي الذي حضر عسكرياً وبكثافة في المنطقة في السنوات الأخيرة، خصوصاً للتصدي للإرهاب والتهريب والهجرة السرية وغيرها، وأيضاً لحماية مصالحه الاقتصادية من خلال تأمين استخراج اليورانيوم والنفط والغاز وثروات أخرى.
 
لقد تدخلت فرنسا بكل ثقلها في شمال مالي عام 2012 بحجة محاربة الإرهاب في إطار عملية أطلقت عليها اسم "سرفال"، وذلك بعدما سيطر دعاة الاستقلال من الطوارق على مدينة تمبكتو، عاصمتهم التاريخية، وأعلنوا أزواد دولة مستقلة عن مالي، التي حصل فيها انقلاب عسكري احتجاجاً على الرئيس أمادو توماني توري الذي فشل في الحفاظ على وحدة البلاد. ولعل ما عجل بالتدخل الفرنسي هو عجز الحركة الوطنية لتحرير أزواد ذات التوجه الوطني العلماني عن السيطرة على الإقليم بعدما طردتها جماعة "أنصار الدين" الأصولية و"حركة التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا اللتان تضمّان مرتزقة من جنسيات مختلفة أعلنوا تطبيق الشريعة في الإقليم والزحف باتجاه العاصمة المالية باماكو، وذلك خلافاً للانفصاليين الطوارق الذين اكتفوا بأقاليمهم في أزواد من دون المساس بالدولة المالية ومدنها وعاصمتها.
 
وأكدت معظم المصادر يومها أن الفرنسيين حرّضوا الجماعات التكفيرية وساعدوهاعلى السيطرة على أزواد وطرد الحركات الوطنية الطوارقية منها، وذلك حتى تجد باريس الذريعة للتدخل في المنطقة باسم محاربة الإرهاب. ونجح المخطط الفرنسي ونالت باريس غطاءً دولياً لتأمين مصالحها في مالي وسائر الصحراء الكبرى، فتم تحرير أزواد من هذه الجماعات التكفيرية نفسها وإعادتها إلى سلطة باماكو، وفشل مخطط الوطنيين الطوارق الذين أعلنوا قبل طردهم دولة مستقلة في أزواد. 
 
وسعت فرنسا لاحقاً إلى جمع حلفاء أفارقة حولها من المستعمرات السابقة تحت العنوان الفضفاض نفسه، "محاربة الإرهاب" في بؤرة الإرهاب، أي منطقة الساحل والصحراء. وضم التحالف الجديد الذي سُمّي "عملية برخان" والذي خلّف عملية "سرفال" في مالي وعملية "الباشق" في تشاد، دول بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد بقيادة فرنسا. إلا أن هذه العملية فشلت فشلاً ذريعاً في محاربة الإرهاب في هذه الصحراء المترامية، وارتكب الفرنسيون أخطاءً قاتلة جعلتهم عرضة لانتقادات واسعة على غرار قصف المدنيين الأبرياء والادعاء أنهم إرهابيون من دون تكليف أنفسهم عناء البحث والتدقيق، على غرار ما حصل في منطقة بونتي في مالي بداية هذا العام.
 
ويؤكد جل الخبراء والمحللين أن الوجود الفرنسي في الصحراء الكبرى مرتبط بوجود الجماعات الإرهابية، وليس من مصلحة بلد فولتير أن يتم القضاء على هذه الجماعات في تلك المنطقة الغنية من العالم والتي هي ضمن مناطق نفوذ باريس التاريخية. وبالتالي فإن بقاء هذه التنظيمات يساعد الفرنسيين على مزيد من الهيمنة على الصحراء الكبرى ودولها الطيّعة، على غرار تشاد، التي يدرك حاكمها إدريس دبي أنه لولا فرنسا لكان نسياً منسياً منذ زمن، ولتمّت إطاحته، سواء من قبل القذافي أم من قبل متمردي بلده الذين كادوا يسيطرون على القصر الجمهوري في نجامينا منذ سنوات لولا التدخل الفرنسي.
 
والحقيقة أن فرنسا بدأت اختلاق ذرائع جديدة لتبرير وجودها، ومنها الدفاع عن الديموقراطية في مالي وغيرها، ومنع الهجرة السرية عن الأفارقة جنوب الصحراء باتجاه أوروبا، بعدما عجزت البلدان المغاربية عن منع ذلك من سواحلها. ومن الذرائع أيضاً التصدي للجريمة العابرة للحدود على غرار تجارة الأسلحة والمخدرات وغيرها، والتي تنشط بكثافة في هذه المنطقة من العالم وتتورط فيها الجماعات الإرهابية الباحثة عن موارد لتمويل أنشطتها.
 
ويفسر البعض هذه العودة الاستعمارية الفرنسية الجديدة الى الصحراء الكبرى الأفريقية بشعور باريس بتراجع نفوذها الدولي وبروز قوى كبرى أخرى في العالم لديها أطماع في القارة السمراء وفي مناطق نفوذ فرنسا فيها، على غرار ألمانيا والصين. وبالتالي فإن ما يحصل برأي هؤلاء هو استعراض فرنسي للعضلات أمام هذه القوى وأمام من تحدث في وقت سابق في الكواليس عن أن هناك قوى صاعدة ومؤثرة في العالم تبدو اليوم أحق من فرنسا بالمقعد الدائم في مجلس الأمن.
 
ويرى البعض أن هذه الهبّة الاستعمارية الفرنسية الجديدة هي سعي طبيعي من باريس لحماية الأنظمة العميلة لها في مالي والنيجر وتشاد وساحل العاج وغيرها، مقابل تأمين هذه الأنظمة انتفاع فرنسا بثروات بلدانها وبثروات الأقاليم التي ضُمّت. والويل والثبور لمن يتجرأ من هؤلاء الحكام على عصيان أوامر باريس، إذ تتم إزاحته عن الحكم والتنكيل به حتى يصبح عبرة لمن يعتبر من نظرائه الأفارقة.
 
وبالتالي فإن القضاء على الإرهاب يقتضي بداية رحيل القوى الكبرى عن الصحراء الكبرى وكل ربوع القارة، وهو أمر مستحيل التحقق، باعتبار أن هذه القوى تساهم في تغذية الإرهاب الذي يضمن وجودها. كما يقتضي تنمية هذه المناطق التي تزداد شعوبها فقراً وبؤساً نتيجة للنّهب المفرط لثرواتها التي تذهب إلى المستعمر وينال حكامها الفتات والحماية من المستعمر، فالمقاربة العسكرية عاجزة وحدها عن مكافحة الإرهاب، والمعالجة الجدية لمشكلات التنمية هي الأساس.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم