إعلان

الجزائر وحتمية تنويع مصادر الدخل

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
منشأة نفطية في الجزائر
منشأة نفطية في الجزائر
A+ A-
تعاني الجزائر إلى جانب العديد من دول العالم من أزمة اقتصادية خانقة سابقة لاندلاع أزمة كورونا تسببت بدورها في أزمات اجتماعية بالجملة وكانت من أسباب اندلاع الحراك الشعبي الاجتماعي والسياسي الذي تصدى للولاية الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة وأسقط نظامه. والسبب في هذه الأزمة هو أساساً تراجع أسعار البترول والغاز في الأسواق العالمية ولمدة طويلة في بلد يعتمد اقتصاده في الأساس على تصدير المشتقات البترولية شأنه شأن أغلب بلدان العالم العربي الغنية بموارد الطاقة.
 
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة المحروقات في الصادرات الجزائرية تفوق التسعين في المئة وهي نسبة مرتفعة جداً تؤكد أن البلد وطيلة عقود من الإستقلال لم يتمكن من بناء نسيج اقتصادي خارج إطار استخراج وتصدير المحروقات. وإذا استثنينا فترة حكم الرئيس هواري بومدين، الذي حاول خلق صناعات وطنية تغطي السوق المحلية ويتوجه جانب منها إلى التصدير، فإن من أتوا من بعده تركوا البلد رهينة لسعر سوق النفط العالمية، فإذا ارتفع سعر البترول عاشت الجزائر في النعيم ورغد العيش، وإذا تراجع حلت الكارثة بالبلد.
 
وحتى المحاولات التي حصلت في أواخر عهد بوتفليقة الأخير لإيجاد بدائل عن النفط للتصدير وجلب العملة الصعبة كانت متأخرة ولم تغير شيئاً على أرض الواقع، والدليل الأزمة التي تعيشها الجزائر اليوم على رغم الإرتفاع الطفيف في أسعار الوقود. كما أن هذه المحاولات لم تحل دون انتفاضة الشارع احتجاجاً على الأوضاع الاجتماعية المزرية وغياب العدالة في توزيع الثروة التي تحتكرها طبقة معروفة استوطنت نادي الصنوبر وحيدرة وموراتي وغيرها من الأحياء الراقية في العاصمة الجزائرية.
 
والمؤسف أن كل هذا يحصل في بلد لديه قدرة استثنائية على تنويع مصادر دخله ليشمل الأمر كل القطاعات في بلد المليون شهيد وفيها إمكانات رهيبة قادرة على جعله قوة اقتصادية عالمية تتجاوز المجال الإقليمي لتقارع كبار القوم من مختلف القارات. لكن هناك معوقات عديدة تحول دون ذلك بعضها محلي وبعضها خارجي، تقاطعت كلها لتجعل من الشعب الجزائري الذي سالت دماؤه أنهاراً لتحرير أرضه من براثن الاستعمار، واحداً من بين الشعوب التي تكابد وتعاني الأمرين لتحصيل لقمة العيش وتأمين الحياة الكريمة.
 
ففي الجزائر تنوع جغرافي كبير ومناظر طبيعية خلابة يقل نظيرها في بلدان العالم وتمتد على مساحات شاسعة جداً، لكنها غير مستغلة سياحياً الاستغلال الأمثل، ولا يعرفها العالم ولا دراية له بها بسبب عدم اهتمام الدولة الجزائرية بالقطاع السياحي وبخلق موارد بديلة عن النفط. وفي الجزائر أيضاً يوجد البحر والشواطئ الصخرية والرملية الجميلة والخلجان والجبال الشاهقة والغابات الكثيفة والسهول والهضاب والصحراء وكثبانها الرملية العالية وواحاتها وبحيراتها.
 
كما تتوفر في الجزائر ثروات منجمية مهمة لم تُستغل الاستغلال الأمثل على غرار الحديد الذي يوجد في أماكن مختلفة منها منطقة غار جبيلات جنوب غربي البلاد، غير البعيدة من مخيمات تندوف للاجئين الصحراويين، حيث يوجد احتياطي ضخم من هذه المادة لم يُستغل بعد. ويتهم المغاربة نظراءهم الجزائريين بأنهم ومن خلال مساندتهم لـ"البوليساريو" في ملف الصحراء يرغبون في منفذ على المحيط الأطلسي في حال أصبحت الصحراء الغربية دولة مستقلة ذات سيادة وذلك لتصدير حديد غار جبيلات إلى بلدان أميركا اللاتينية.
 
وعلى غرار تونس والمغرب توجد في الجزائر كميات مهمة من الفوسفات لم يتم استغلالها الاستغلال الأمثل في الوقت الراهن ولكنها مرشحة لتُستغل في السنوات القليلة المقبلة لتصبح الجزائر منافسة لجارتيها الشرقية والغربية. ويشعر التونسيون ببعض الانزعاج والقلق من دخول الجزائر إلى نادي البلدان المنتجة والمصدرة للفوسفات في السنوات المقبلة وهم الذين عانوا الأمرّين من المغرب الذي استغل السوق كما يجب في العشرية الأخيرة واستطاع اجتذاب زبائن الخضراء في العالم بسبب الأوضاع السياسية الاستثنائية التي تعيشها تونس.
 
ولعل من معضلات التنمية في الجزائر هو العدد المرتفع نسبياً للسكان مقارنة بالبلدان العربية النفطية، حيث يقارب عدد سكان الجزائر الخمسة وثلاثين مليون ساكن أي قرابة ست مرات عدد سكان ليبيا. فالجزائر والمغرب لم ينتهجا بعد الاستقلال سياسة تحديد النسل التي انتهجتها تونس وهو ما تسبب في انفجار سكاني خصوصاً في المغرب.
 
لذلك تبدو الجزائر أمام حتمية تنويع مصادر دخلها لتلبية حاجات شعبها الذي ينتمي في أغلبه إلى فئة الشباب التواق إلى العيش الكريم في ظل دولة يحقق فيها كل طموحاته وأحلامه ولا يجد نفسه مجبراً على الهجرة منها. كما تبدو الجزائر أمام حتمية أن يتم اقتسام الثروة فيها بالعدل بين كل الفئات وأن لا تحتكرها أطراف معلومة تنتمي إلى مؤسسات بعينها انتفخت أرصدتها في الخارج وعجز الجميع عن محاسبتها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم