إعلان

تحالف الأقليات والصيغة اللبنانية

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
السيد حسن نصرالله وجبران باسيل
السيد حسن نصرالله وجبران باسيل
A+ A-
يروج دعاة نظرية "لبنان الملجأ"، أن الكيان اللبناني هو عبارة عن تجمّع من الأقليات المضطهدة التي وَجدت في سفوح ووديان جبل لبنان ملاذاً أمناً من بطش السلطة المركزية، لا سيما الإمبراطورية الإسلامية التي، بحسب زعمهم، انتهجت سياسة اضطهاد غير المسلمين.
 
هذه النظرية ومبدأ تحالف الأقليات الذي انبثق عنها كانا إحدى الركائز التي بُنيت عليها دولة لبنان الكبير عام 1920 وثم الجمهورية اللبنانية بعد نيل الاستقلال من الانتداب الفرنسي عام 1943، وأصبحت بالنسبة إلى فئة من اللبنانيين إحدى البيارق الأساسية في مقارباتهم السياسية وتحالفاتهم الإقليمية. فتحالف الأقليات، من موارنة ودروز وعلويين وشيعة وحتى يهود، مُجبر وفق "مفكري" هذه المدرسة على التكتل أمام الإسلام السنّي الذي يبقى، وفق زعمهم، في حالة دائمة من تفكيك الكيان اللبناني وضمّه إلى العالم الإسلامي العربي.
 
في أوائل القرن المنصرم أصبحت نظرية تحالف الأقليات، قوام مؤسسة المارونية السياسية التي سخرت هذا التحالف للوقوف في وجه جمال عبد الناصر ومحاولة ضم لبنان كإقليم ثالث إلى جمهوريته العربية، وفي وجه منظمة التحرير وحليفها الشهيد كمال جنبلاط المطالب بإصلاح النظام السياسي اللبناني. وهذا التحالف الشيطاني كان أيضاً النافذة التي استغلّها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد للولوج إلى الساحة اللبنانية بعدما عقد صفقته الشهيرة مع هنري كيسنجر لتقويض منظمة التحرير الفلسطينية، مدّعياً حرصه على حماية مسيحيي لبنان من إبادة جماعية.
 
ورغم انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، استمرت مفاعيل المدرسة الأقلّوية في خطاب العماد ميشال عون وصهره جبران باسيل اللذين قدّما أنفسهما كورقة تين سياسية لـ"حزب الله" ونظام بشار الأسد القاتل، وتمكّنا، عبر اتفاق مار مخايل ورحلات عون إلى سوريا، من الترويج للغرب بأن هدف تلك التنازلات ليس الوصول إلى كرسي الرئاسة بل ضمان الوجود المسيحي المشرقي. بل إن هوس باسيل بالسلطة دفع به إلى توسيع حلفه الأقلوي ليمتد إلى الجماعات الأوروبية اليمينية العنصرية، كالجبهة الوطنية في فرنسا بقيادة ماريان لوبان التي تتفق مع قرينها اللبناني على مبدأ معاداة الإسلام واللاجئين والغرباء إلى أي جنسية انتموا.
 
بطبيعة الحال، فشِل تحالف عون- الأسد- "حزب الله" في حماية مسيحيي لبنان والشرق، بل سرّع في اقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم على غرار ما حصل في سوريا، أو تدمير بلدهم اقتصادياً وسياسياً ودفْعهم نحو الهجرة الدائمة بحثاً عن ملجأ جديد وحياة رغيدة لأبنائهم، كما حصل في لبنان.
 
الانتحار الأقلوي هذا لم يطل المسيحيين فقط، بل امتد إلى كل الشعب اللبناني عبر عزل بلدهم عن محيطه وعمقه العربي، والأهم قطع صلة الوصل الاقتصادية التي أبقت اقتصاد لبنان متماسكاً رغم الخلل البنيوي والفساد المستشري في المنظومة. دخول عون وباسيل في المحور الإيراني - السوري رسّخ في نفوس الأشقاء العرب أن لبنان لم يعد جديراً بالإنقاذ كون شعبه لم يتردد يوماً، لا سيما في كل عملية انتخابية ومناسبة سياسية، في تجديد البيعة للطبقة السياسية الفاسدة التي تحتمي وراء سلاح إيران في لبنان وتستجدي في الوقت عينه الأموال والعطاءات وتحولها إلى جيوبها بدل ضخها في الاقتصاد اللبناني.
 
تحالف الأقليات ليس فقط لعنة على لبنان وكل أبناء المشرق العربي بكل فسيفسائه، بل هو رهان فاشل. فالمراهنة عليه وعلى أي مشروع خارجي توسعي كالمشروع الإيراني من أجل كرسي رئاسة هو ضرب من الحقارة الأخلاقية التي تؤكد مرة أخرى أن فكرة لبنان قد انتهت وأن الصيغة اللبنانية "الفريدة" ليست الّا وهماً سينتهي حين يتهافت اللبنانيون إلى الأفران بحثاً عن كسرة خبز وإلى الصيدليات الخاوية بحثاً عن دواء علاج.
 
إن لبنان، بلد الأقليات والعنصرية "الغبية"، لم يعد يستحق الحياة بل أصبح يستغيث بكل مواطن لبناني أن يناضل في سبيل قيامته من جديد عبر تدمير هيكل الكراهية وبناء وطن مدني بعيدٍ كل البعد من عقول الطبقة السياسية المريضة التي تقتات على جثث الأبرياء.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم