إعلان

التعليم في زمن الانهيار

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
طلاب وطالبات في الجامعة
طلاب وطالبات في الجامعة
A+ A-
من ذكريات العودة إلى مقاعد الدراسة بعد العطلة الصيفية طلب الأساتذة لا سيما أساتذة مادة الإنشاء والإنكليزية كتابة موضوع يوثق ما قمنا به خلال عطلة الصيف في حيلة ذكية عادة ما يلجأون إليها لتحضير التلامذة لسنة جديدة بعد ثلاثة أشهر من اللهو واللعب. ورغم الشك بتكبد الأساتذة مشقّة قراءة مغامرتنا الطفولية، فإن هذا الطقس السنوي فرض علينا نظاماً ما.
 
هذه الحيلة عادت إلى ذاكرتي هذه السنة، وأردت كأستاذ في مادة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت اتباعها مع تلامذتي، ليس كطقس سنوي أو منطق فضولي علمي، بل في محاولة لتكريس وجودنا كأساتذة في تأمين جو فكري وحس نقدي ورافعة نفسية تمكنهم من مواجهة تحديات الحياة، لا سيما الانهيار والكابوس اللذين نمر بهما.
 
فالعودة إلى مقاعد التعليم هذه السنة، وإن كانت حالياً افتراضية، لن تكون سهلة لا سيما أن لبنان الحاضن الأساسي لصرح الجامعة الأميركية العريق لم يعد صالحاً لتأمين المناخ الفكري ولا حتى المقومات الأساسية للحياة بعد فقدان المحروقات والأدوية التي تهرّب الى الخارج من أجل حفنة من النقود.
 
خلال العام السابق، وبسبب اندلاع الثورة وانتشار جائحة كورونا، انتقلنا الى التعليم الافتراضي، وتمكنّا من النجاح الى حد معين في إنقاذ السنة الدراسية رغم التحديات الكثيرة. كما تمكن الطلاب والأساتذة من الإبقاء على حبل التواصل مع التلامذة المنتشرين في لبنان وأنحاء العالم رغم تأثر التفاعل والنقاش اللذين يجريان عادة داخل الصفوف.
 
الوضع الحالي يختلف عن الأعوام السابقة كون الكهرباء والمحروقات أصبحتا عملة نادرة تمنع الجميع من حضور صفوفهم سواء افتراضياً أو حتى جسدياً، وفي حال تمكنوا من ذلك لا شيء يضمن أن سلامتهم النفسية والجسدية تسمح لهم بالتركيز على مجريات الصفوف أو حتى المحافظة على المستوى نفسه من الآداء.
 
الجامعة الأميركية في بيروت وعلى غرار العديد من المؤسسات التعليمة الشقيقة، وقفت على مدى أكثر من قرن ونصف القرن في مواجهة التحديات، من مجاعة 1915، الى الانفلونزا الإسبانية، النكبة والنكسة وأخواتها، الى الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990 ومكّنت اللبنانيين والعرب من الإيمان في أن هناك خلاصاً في آخر النفق المظلم وأن الصعوبات التي تمر بها البلاد هي وقتية.
 
هذه المرة، وللأسف، انهار هذا النفق على رؤوس اللبنانيين الذين بترددهم وتقاعسهم عن مواجهة ساستهم حوّلوا تاريخهم إلى أنفاق متصلة أودت بهم إلى مقبرة التاريخ. وأمام هذه المرحلة الخطيرة يجب المحافظة على الثروة الحقيقية للبنان، وهنا لا اتكلم عن دجل وحقارة الطبقة السياسية التي تدّعي العفة، ولا اتكلم عن لبنان الرسالة الذي أصبح صندوق بريد في مواجهة إقليمية تحوّل فيها لبنان الى طرف لا يصلح للجلوس على طاولة المفاوضات كما حصل الأسبوع الفائت في مؤتمر بغداد، بل الإبقاء على الأدمغة الشابة التي تستحق عناء التضحية والصمود.
 
الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في فقدان الأدوية والمحروقات فحسب، بل في تحول مجتمعنا إلى مجتمع أقل ذكاء وعلماً إن لم نقل غباء بسبب هجرة الكوادر العلمية، والأسوأ أن يتأقلم الشعب اللبناني مع هذا الوضع كما تأقلم مع الوقوف في طوابير الذل على محطات المحروقات أو صمَت على انفجار المرفأ الذي دمر بيروت وهشّم صورة لبنان في العالم.
 
لعله من المفيد جداً أن يجلس كل لبناني ولو لعشر دقائق فقط ويكتب موضوع انشاء بسيط يسجل فيه نضاله في سبيل تأمين البنزين والدواء والخبز والكرامة، من دون أن يتغاضوا عن حقيقة أن تصويتهم في الانتخابات البرلمانية أو حتى امتناعهم عن التصويت هما سبب وصولهم الى وضعهم الحالي. السفن الإيرانية المحملة بالوقود و بـ"الخلاص" لن تصل، وإن وصلت ستكون أداة اضافية لتقويض الشعب اللبناني وإعطائه أخطر أنواع المسكنات على الإطلاق، الأمل.
 
انا وزملائي في الجامعة الأميركية في بيروت وفي الصروح التعليمية المنتشرة في لبنان، والذين لم يضطروا الى الهجرة، أخذنا عهداً على انفسنا أن نحافظ على كل طلابنا وأن نؤمن لهم الرعاية الكاملة للخروج من النفق والبقاء في وطنهم في السنوات المقبلة، ليس من أجل ترميم البلد بل من أجل تدميره بالكامل قبل العمل على بناء وطن جديد يليق بنا كمواطنين وليس أفراداً في قطيع مذهبي وعنصري يمارس الفساد كثقافة حياة.
 
شخصياً، لن أترك أي شخص يتخلف عن قطار التعليم والمعرفة، وفي الوقت عينه لن أسمح لنفسي بأن أؤمن أن هذه الطبقة المجرمة الموجودة في السلطة قادرة على التغيير.
 
لن نترك أيّاً من طلابنا يتخلفون ولن نسمح بأن يبقى لبنان نسخة عن قلوب ساسته السوداء التي تقتات على القتل والدمار. قد يرى البعض في موقفي وطرحي سذاجة، لكن القيم والأخلاق لطالما كانت ثانوية وساذجة في لبنان ما أوصلنا إلى الإفلاس الأخلاقي والمالي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم