إعلان

جاسوس في "الموبايل" ... العرب يشترون "بيغاسوس" الإسرائيلي والعالم يخشى الظلام!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
بيغاسوس
بيغاسوس
A+ A-
لم يكد العالم يفيق من فضيحة التجسس الأميركية الأكبر "دنهامر" حتى ضربته فضيحة أعنف، أصابت شظاياها دولاً كثيرة، من بينها بلدان عربية. الفضيحة التي تبدو ضرباً من الخيال العلمي الجامح، كشف عنها تقرير شاركت فيه 17 مؤسسة إعلامية دولية، أظهر استخدام أجهزة مخابراتية وأمنية عدة برنامجاً خبيثاً "بيغاسوس" للتجسس، تنتجه شركة إسرائيلية، ويقوم بدور "حصان طروادة" يحوّل الهواتف المحمولة إلى أداة تجسس ومراقبة من خلال تشغيل الميكروفون والكاميرا للمراقبة المباشرة ويمكنه الاطلاع على كل بيانات الهاتف، من دون أن يلاحظ صاحبه، بما يجعل "بيغاسوس" سلاحاً إلكترونياً بالغ الشراسة، ينتقي ضحاياه من رؤساء الدول والحكومات ورجال السياسة والأعمال والصحافيين ودعاة حقوق الإنسان، في كل أنحاء العالم، خصوصاً في الشرق الأوسط حيث القمع والاستبداد على أشده، بما يجعل الأمر فضيحة إسرائيلية من العيار الثقيل، فيها العرب بأموالهم، ولا تزال التفاصيل المهمة طي الكتمان!
 
الوجه المظلم
شاركت وسائل إعلام عالمية عدة، من بينها صحف "الواشنطن بوست" الاميركية، و"لوموند" الفرنسية، و"الغارديان" البريطانية، في التحقيق الاستقصائي الذي كشف عن أن محاولات التجسس عبر "بيغاسوس"، طاولت عدداً من الشخصيات العامة في دول عدة. و"بيغاسوس" برنامج تجسس "فيروس إلكتروني" عالي الأداء، تنتجه شركة "NSO" الإسرائيلية، واسمه مستوحى من "الحصان المجنح" في الميثولوجيا الإغريقية، برنامج يجري تفعيله من بعد، لاختراق الهواتف ويعيد إرسال البيانات، بما يحوّل "الموبايل" إلى "جاسوس" لا ينام على صاحبه.
 
ويذهب المحللون إلى أن طاقم الشركة الإسرائيلية المنتجة للبرنامج يضم أعضاء سابقين في نخبة الجيش الإسرائيلي، تراقب وتستغل شبكة الإنترنت المظلم؛ حيث يبيع قراصنة معلومات حول الثغرات الأمنية التي يكتشفونها. ويعكس البرنامج حجم التطور التقني في الدولة العبرية، برغم أن فضيحة "بيغاسوس" مرغت سمعتها في الحضيض.
 
أكد الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن قضية "بيغاسوس" كشفت عن "الوجه المظلم" للتكنولوجيا الإسرائيلية الراقية، مبيناً أنه على الرغم من أن إسرائيل "أمة الشركات التكنولوجية الناشئة"، فإن مجموعة "NSO" قدمت دليلاً على الجانب ذي السمعة السيّئة للتكنولوجيا الإسرائيلية عبر برامج التجسس "بيغاسوس" التي تطورها الشركة، فالبرنامج لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه سلاحاً ... هذا يعني أن أي بلد يرغب في شراء البرنامج يجب أن يحصل أولاً على موافقة وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين، وفي حال استخدامه ضد الصحافيين ونشطاء حقوق الإنسان فإن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق إسرائيل. وأشار بن درور إلى أنه كان يجب تنبيه الشركة الإسرائيلية التي ارتبط اسمها بهجمات إلكترونية لا علاقة لها على الإطلاق بمكافحة الإرهاب.
 
قلق عالمي
يتزايد القلق على الصعيد الدولي بعد سلسلة من التسريبات عن برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" الذي يستخدم على نطاق واسع من جانب أجهزة الاستخبارات، لاختراق هواتف المعارضين السياسيين والصحافيين والناشطين في كل أنحاء العالم، وكان لافتاً مشاركة منظمتي العفو الدولية وفوربدن ستوري في التحقيق الذي أجرته المؤسسات الإعلامية حول القضية. ليست هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها ربط "NSO" باختراق هواتف الشحصيات المؤثرة، فقد رفع تطبيق "واتساب" المملوك لشركة "فايسبوك" دعوى قضائية ضد الشركة الإسرائيلية في عام 2019، لأن الشركة ساعدت في اختراق عشرات الحسابات، في حين أشارت صحف فرنسية إلى وقائع مشابهة منذ 2016.
 
تعد الشركة الإسرائيلية "NSO" الأكثر شهرة بين شركات برمجيات التجسس، ولديها أكبر عدد من الزبائن حول العالم، حسب رأي فيليب روندال الخبير فى شركة "شاك بوينت". المفارقة أن بين هؤلاء الزبائن عرباً كثيرين، مع أن الشركة هي الذراع الإلكترونية للدبلوماسية الإسرائيلية؛ فعندما توقع الشركة مع مخابرات إحدى الدول، فإن الاتفاق لا يتم إلا برضا وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين، ولم لا؟ّ... "بيغاسوس" في الأصل "سلاح سيبراني" يجعل كل مواطن عارياً "مفضوحاً" أمام الأجهزة التي تعد عليه أنفاسه وحركاته وسكناته.
 
يشرح آلان وودوارد أستاذ الأمن الإلكتروني بجامعة سوري البريطانية قائلاً: إن "بيغاسوس يمنح الأجهزة المخابراتية إمكان الوصول تلقائياً إلى مليارات الهواتف". ويضيف: "فكر في الأمر كما لو أنك وضعت هاتفك بين يدي شخص آخر؟".
 
يقلل "بيغاسوس" حاجة الأجهزة المخابراتية إلى عملاء يتغلغلون في المواقع الحساسة، ولسوء الحظ الجميع يعرف مدى تعطش تلك الأجهزة للبيانات حتى في الدول الديموقراطية، ناهيك بتلك التي لا تعرف سوى الديكتاتورية، وتكشف التحقيقات، في قضية "بيغاسوس"، حسبما أفادت "الواشنطن بوست"، عن استهداف البرنامج 50 ألف هاتف من بينهم 189 صحافياً وأكثر من 600 سياسي ومسؤول حكومي، وما لا يقل عن 65 رجل أعمال و85 ناشطاً في مجال حقوق الإنسان والعديد من رؤساء الدول، وأظهرت التحقيقات احتمال استهداف ثلاثة رؤساء، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، و10 رؤساء وزراء، من بينهم رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، والفرنسي إدوارد فيليب، إلى مسوولين عرب بارزين ومواطنين تتجسس عليهم دولهم، أو دول عربية تتجسس على قيادات دول عربية أخرى!
 
ماكرون يغيّر هاتفه
وفي أول تحرك ملموس على صلة بالفضيحة العالمية، قام الرئيس الفرنسي بتغيير هاتفه ورقمه، وعقد مجلس دفاع استثنائياً، الخميس في 22 تموز (يوليو) 2021، من أجل مناقشة قضية "بيغاسوس" والأمن الإلكتروني، وقررت الحكومة الفرنسية تعديل إجراءات التأمين الإلكتروني للشخصيات المهمة، كما زار وزير الدفاع الإسرائيلي باريس للقاء نظيرته الفرنسية، للغرض ذاته. ومن جانبها طالبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بمنع وصول البرنامج إلى دول لا توجد فيها رقابة قضائية (استبدادية). بينما أصدرت دول عربية وغير عربية كالمكسيك والهند بيانات، تنصلت فيها من القيام بأعمال تجسس على مواطنيها أو الآخرين.
 
وفي خضم ارتدادات زالزال "بيغاسوس"، استنتج مارتن مونو الصحافي الألماني في DW، بمرارة أن الأمر ليس جديداً، لكنه مخيف، مؤكداً أن بياناتنا المخزّنة على الأجهزة المحمولة ليست آمنة، ومنوهاً إلى أن ذلك يتعلق أيضاً بالقتل والسجن والترهيب، لكل فرد منا، وأن شركة "NSO" الإسرائيلية متواطئة في ذلك؛ لأنها توفر برامج تجسس لحكومات استبدادية تنتهك حقوق الإنسان وتمارس القتل ضد معارضيها، حتى لو زعمت الشركة أن "بيغاسوس" من أجل مكافحة الإرهاب والجريمة. وللتخفيف من حدة الأزمة، أوضحت الشركة الإسرائيلية أن تقارير المؤسسات الإعلامية حافلة بالافتراضات الخاطئة. بينما عينت إسرائيل فريقاً وزارياً لفحص التقارير، وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، رام بن باراك: علينا إعادة النظر في موضوع التراخيص التي تمنحها وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية برمته.
 
وتعمل وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية من داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية وتشرف على صادرات "NSO"، وقالت كل من الوزارة والشركة إن الهدف من استخدام "بيغاسوس" هو تعقب الإرهابيين أو المجرمين فقط، وإن جميع العملاء الأجانب والحكومات خضعت لعمليات تدقيق. أما صحيفة "يديعوت أحرونوت" فأكدت أن كارثة "بيغاسوس" ستطارد إسرائيل طويلاً.
 
اليوم... يفرض المتفوق تكنولوجياً شروطه أو هيمنته على الآخرين؛ حتى في حق الأمن والأمان، يفرض بقوته وتفوقه التكنولوجي إرادته على بقية الشعوب، يبتزها ويتدخل في شؤونها الداخلية بأريحية، فالأمن القومي لأعدائه في حالة انكشاف خطير، شيء مرعب وقاسٍ جداً أن يتم التجسس على الدول ومعرفة أدق أسرارها وعلى حساب هذه الدول التي اشترت هذه الأجهزة، وهذا ما تفعله إسرائيل مع "زبائنها" العرب. التجسس قديم وسيستمر، لأنه قرين السياسة، تستخدمه الدول للحفاظ على مصالحها ورسم خطط تعاملها مع غيرها، أعداء أو أصدقاء، وهي مبارزة حقيقية يفوز فيها الأكثر تقدماً.
 
الكلمات الدالة