إعلان

مغتربة في وطنين

المصدر: ماهر خير - النهار العربي
غلاف كتاب "مغتربة في وطنين"
غلاف كتاب "مغتربة في وطنين"
A+ A-
"مغتربة في وطنين" للصحافية ليليان قربان عقل، عنوانٌ كفيلٌ أن يكون له وقعُ الرّصاصة في القلب والذاكرة. فكم من دمٍ ودمعٍ ذرفناه على صدر الوطن، وكم من ألمٍ تجرّعناهُ من كأس مرارة الفرقة والاغتراب والهجرة سواء طوعاً أو قسراً...؟ فالاغتراب عن الوطن هو اغترابٌ عن الذات أولاً، لما تواجهها هذه الذات من مغايراتٍ واختلافاتٍ ومشاعر غريبة، ما يخلق صراعاً دموياً مع القلب وجرحاً مفتوحاً بين ضفتين ينزفُ بين متفرّعات الذكريات ومحدثاً شرخاً عميقاً لا يلتئم.
 
"مغتربة في وطنين" هو طلقة رصاصة تشكّل بشظاياها مرآةً متصدّعة تجول فيها وجوهنا المبلّلة برذاذ الحزن والمشرقة بالأمل والحالمة بالفرح المنتظر ... وجوهنا نحن اللبنانيين الذين ذاق كلّ واحدٍ منّا طعم الإغتراب في شكلٍ ما، سواء من خلال فراقِ أبٍ أو أخٍ أو صديقٍ أو رفيقِ درب ... وأنا في ريعانِ شبابي، كنت واحداً منهم. لذا حملني كتاب ليليان إلى زمنٍ مضى، حملني إلى فرنسا حيث أقمت فترة عشر سنين للتحصيل العلمي، تملّكتني فيها مشاعر الغربة، فكلّ فراق عن صدر الوطن هو مقاساةٌ ووحشة واغتراب. لقد ذكّرني كتابها بديواني الأول - باكورة أعمالي الشعرية في فرنسا "عارياً تحت الشمس"، بقصيدةٍ منه أقول فيها:
 
كيف شُطِرَ قلبي كصخرةِ الرّوشة إلى شطرين؟
كيفَ أتخلّصُ من انفصامي بين الشرقِ والغرب؟
أتلتقي الصخرتانِ يوماً ويُزَفُّ العقلُ إلى القلب؟
 
لقد عاينت خلال قراءتي كتاب ليليان، هذه الإزدواجية في إنتمائها إلى بلدين، وانفصامها بينهما، وما يشبه الصراع الأبدي بين العقل والقلب.
 
تبدأ ليليان الصفحة الأولى من كتابها بالعودة إلى لحظة إقلاع الطائرة بها من بيروت إلى أكرا، أو اللحظة التي سلختها عن الوطن، كما تقول وتحدّدها بالساعة الثالثة فجر 21 حزيران (يونيو) 2001، لحظة شعرت فيها بأنها لا تغادر وطنها بل تغادر نفسها ... وبذلك تيقنت أنها لحظة مفصليّة تاريخية في حياتها، هي اللحظة التي سيجتاحها حبُّ لبنان ويسكن كلّ جوارحها للأبد.
 
هكذا تبدأ الحكاية منذ بداية كتابها وحتى النهاية، بقلقٍ واضطرابٍ وجودي، ويتجلّى ذلك في فوضى الأفكار والمشاعر المتضاربة، فنرى الكاتبة باكيةً ناحبة، وآملةً ومنتفضة في آنٍ معاً، وجاهدةً في رسمِ مساحة جديدة لتشكيل وطن جديد يعوّضها عن وطنها الأول لبنان. فراحت تغوصُ في أغوار غانا، تحاول أن تتلمّس في وجهها ملامح الجمال لتُسْحَرَ بطبيعتها الخلابة، بخضرتها التي تبسطُ سهولها على مدّ النظر... ولتُجذب بتعدّد القبائل التي ارتبطت كل قبيلة بعادات وتقاليد وثّقت العلاقة الروحيّة بين أفرادها لتأمين استمرارية إرث الأجيال.
 
ثم تحاول أن تتلمّس في قلب غانا نبض الإنسانية من خلال أهلها وبساطتهم بفقرهم وغناهم واكتفائهم وقناعتهم وقبولهم بمشيئة الله ... ولتُبْهَر بقوة وجبروت المرأة الأفريقية وقدرتها على التحمّل، هذه المرأة التي تلد مولودها وهي في الحقل وتكمل أعمالها مكافحةً تتحدّى كل الصعاب.
 
تغوصُ في أغوارغانا لستكتشف نقاط الاختلاف والأضداد بين "لبنانها" و"غاناها" فتستخرجَ قواسم الإلتقاء بينهما والتي يختصرها مشهد يتحدّ فيه الإنسان مع إنسانيته.
 
إنّ هذا الغور والاستطلاع التي تقوم به المؤلفة ما هو إلا محاولاتٍ متكرّرة لإرضاء نفسها بوطنٍ جديد، فكل المكامن الجمالية الغانية التي تأتي على ذكرها من جمال طبيعي وتعدديّة وتنوّع ثقافي وكفاح المرأة وتسامح وإنسانية ... ما هي إلا ما تحبّه وتشرّبته وعايشته في وطنها الأول، وكأنما هي تحاول أن تستولدَ من غانا صورةً تحاكي صورة لبنان.
 
إنّ ليليان حين تتحدث عن وطنها الأم، نشعر بخفقان حروفها بالحبّ والشوق واللوعة وتتوهّج سطورها بمشاعر جيّاشة. فها هي عندما تزور بلدتها ضهور الشوير تقول:
"أغسل ترابها بدموعي وكأني أريد أن أسقيها، أن أترك شيئاً منّي حيّاً في نبضها، في عروقها، في دمها، شيئاً ينتظر عودتي وسأعود..."، بينما لا نجد هذه اللواعج ولا تتّسم لغتها بالأسالة والإرهاف في حديثها عن غانا، بل تصبح وكأنها تتحدث بلغة العقل. وكأن لبنان بالنسبة للمؤلفة هو القلب، أما غانا فهي العقل، وفي صراع الاثنين، فغالباً ما ينتصر القلبُ على العقل.
وإنّ ما يعزّز تفوّق قلبها على عقلها هو عوامل الاختلاف بين الثقافتين اللبنانية والغانية، لا سيّما اللون والعرق واللغة في شكل أساسيّ والتي تأتي في طليعة العقبات التي تحول دون اندماج اللبناني في شكل كامل في المجتمع الغاني، علماً أن اللغات تتعدّد في غانا لتناهز خمسين لغة، إذ أن لكلّ قبيلة لغة خاصة بها.
 
كما إن اللبناني وبالرغم من نجاحه اللافت ومساهمته الكبيرة على الصعيد الاقتصادي الغاني إلا إنه ونظراً لهذه الفروقات لم يتمكّن ولم يجهد كثيراً لتعزيز التفاعل الثقافي بين البلدين وهو الجسر الأقصر لتقريب المسافات بين الشعوب، فلا يوجد في غانا مثلاً مركز ثقافي لبناني يعرّف بأدباء وشعراء وتاريخ لبنان ودوره الريادي في محيطه الجغرافي والعالمي باعتباره أكثر من بلد وإنما رسالة للتسامح والانفتاح على الآخر ... وما أحوج العالم في زمنِنا اليوم، زمنِ التناحرات والظلاميّة والمنظمات الإرهابية، إلى هذه الرسالة.
 
لذلك تجدُّ وتسعى السفارة اللبنانية دائماً إلى ممارسة دور في هذا الإطار، وقد قمت مؤخراً ضمن برنامج المنح الدراسيّة الذي تموّله الجالية اللبنانية، بالتنسيق مع الجهات المختصّة بإدراج ضمن المنهج الأكاديمي بحث عن لبنان يعدّه كل طالب مستفيد، وذلك في كلّ من معهد الصحافة، وكليّة اللغات في جامعة غانا، فضلاً عن إطلاق جائزة الأدب اللبناني وجائزة الفن اللبناني في محاولة للتعريف بالثقافة اللبنانية.
 
إنّ عدمَ ترسيخ التفاعل الثقافي بين الشعبين يقف عقبة في تحقيق الإندماج ويجعل من اللبناني مغترباً مقيماً، وتبقى غانا بالنسبة إليه بمثابة محطة مرورٍ موقت ليس إلا، وبالأخصّ المغتربين الجدد الذين لا ينتمون إلى جيل ثانٍ أو ثالث، أو غير المتحدّرين.
لذلك نجد ليليان في كتابها لبنانية حتى العظم، أصيلة متجذّرة راسخة في تراب لبنان الذي يعيش في وجدانها، ينشد نشيد الحبِّ الأوَّل، ونشيدَ حُلمِ العودة النهائية إليه مهما جارَ الزمن وطال.
 
"مغتربة في وطنين" إنه لجديرٌ بأن يزيّن مكتباتنا ومكتبات بلدان الانتشار لثرائه العاطفي والفكريّ، وجديرٌ بأن يكون مقدمة لشهادة دكتوراه لغناه بالمواضيع والأفكار والإشكاليات التي تطرحها المؤلفة: الوطن الأوّل والوطن الثاني، الاختلاف، صراع الثقافات، صراع الانتماء، الهويّة المكتسبة والهويّة الموروثة وغيرها حيث يستحق كلُّ موضوعٍ التوسُّع فيه ليصبح كتاباً بحدّ ذاته.
 
إنّ هذه المسائل تستلزم التأمل والتمعّن والدراسة المعمّقة والتحليل لنفهم مليّاً هموم وشجون المغترب ونشاركَه تجربته فنتعلّمَ كيف نعتنقُ الحياة بحلوّها ومُرِّها بثباتٍ وعنادٍ وحبّ كما كلّ لبناني مغترب يخوض المجهول، يتعالى، يدوسُ على الجراح ويرقصُ على قرعِ الطبول رقصة الانتصارِ ولا ينكسر.
 
*سفير لبنان لدى غانا
الكلمات الدالة