إعلان

أين عالمنا العربي من جيل الشباب؟

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
من تحرك احتجاجي في تونس
من تحرك احتجاجي في تونس
A+ A-

أتت الأزمات السياسية في عالمنا العربي لتعري العديد من الأنظمة السياسية التي تدعي بأنها تمارس "الحوكمة الصالحة" وأثبتت ما هو معروف بين العامة؛ بأن هناك حكاماً بكل بساطة غير كفوؤين بمجملهم، والأهم بأنهم لا يكترثون بأوضاع المواطنيين وبالتحديد الشباب منهم.

فالعالم العربي الذي يضم 32% من الشباب مأزوم على عدة مستويات، ولكن أحد أخطر هذه الأزمات هو الفشل في تحويل هؤلاء الشباب من كتلة حاقدة مهمشة إلى قوة فاعلة في استنهاض هذه الأمم، والعبور بها نحو مصاف البلدان الحديثة التي تسودها المواطنة وحكم القانون.

لعل أبرز العوائق في وجه الشباب العربي هو التراجع الملحوظ في نوعية التحصيل العلمي، وليس تحصيله فقط، اذ يتلقى الشباب تعليمهم المدرسي والجامعي، ولكن بطريقة تجعل منهم غير صالحيين للتنافس في الأسواق الإقليمية والدولية، فيتحول هؤلاء إلى حملة شهادات غير مؤهلين باستثناء دخول نادي العاطلين عن العمل فيما تشكل الإناث جزءَ كبيراَ منهم. فعلى صعيد العالم العربي لاتتعدى نسبة مشاركة الإناث في سوق العمل ال 30% وهي نسبة ضئيلة و مقلقة في أن واحد.

إن جائحة كورونا والتحول نحو التعليم عن بعد فضح عقم العديد من المناهج التعليمية المتبعة في العالم العربي والتي تعود بمجملها الى القرن الماضي القائم على التلقين بدلاً من تمكين الفرد على اكتساب قدرات تحليلية وقيادية. بالإضافة إلى أن العديد من تلك البلدان تعاني من غياب البنية التحتية اللازمة للإنتقال إلى التعليم الافتراضي لا سيما الخدمات التكنولوجية، كالانترنت أو حتى الكهرباء.

إن عدم تسليح هؤلاء الشباب بنوعية تعليم عالية ومناسبة لسوق العمل تجعل من هذه الكتلة الشابة ثقلاً على مجتمعاتها وعلى أسرها عوضاً من أن تكون رافعة اقتصادية ونهضوية. فعلى مستوى لبنان وقطاع التعليم الخاص، نرى دوراَ سلبياً ومدمراً للحكومات المتعاقبة، والتي في سبيل المحاصصة السياسية وتمكيين النظام الزبائني القائم فتحت قطاع التعليم الجامعي لمجموعة من "الدكاكين" التي تنتحل صفة الجامعات و المعاهد، والتي تهدّد القطاع بأسره عبر بيع أو إعطاء الشهادات الى تلميذها بدون رقيب أو معايير علمية واضحة وشفافة. إن تمكين مثل تلك المؤسسات الربحية من شأنه التأثير على الجامعة اللبنانية أكثر بكثير من تاثيرها على الجامعات العريقة و التي هي كما الجامعة الرسمية ضحية غياب السياسات التعليمية التي فقط عبرها يستطيع لبنان المحافظة على أحد أهم قطاعاته الإنتاجية ولربما الاتجاه نحو الاستشمار بقطاع صناعة المعرفة خاصة بعد انهيار أسطورة قطاعه المصرفي و نموذج سويسرا الشرق المزعوم.

يبقى التحدي الكبير أمام الشباب العربي هو المشاركة السياسية في صنع مستقبلهم وشعورهم بأن أصواتهم وأرائهم تٌسمع وتٌؤخذ ضمن دوائر صنع القرار. فقبل الربيع العربي وموجات الاحتجاجات العارمة، شدّدت الدراسات على ضرورة اعطاء فئة الشباب و كافة المواطنيين، حقوقهم السياسية و الاجتماعية الكاملة، واعطائهم دوراَ ضمن المؤسسات المتعددة بدءَ باسرهم وانتهاءَ بأعلى مستوى سياسي تمثيلي، ولكن بدلاً من القيام بالاصلاحات السياسية اللازمة لتسهيل هذا التحول، لجأت معظم الأنظمة الحاكمة الى إخماد تلك الاصوات وتصويرها كحركات عبثية فوضوية لا تملك خطة أو بعد نظر.

في الواقع يواجه الشباب في منطقتنا مشكلة أساسية وهي أن طريقة أو موجات فكرهم متقدمة وحديثة مقارنة بطبقة حاكمة لا تزال تعتبر بأن تسليح الشباب بافكار قومجية ودينية متطرفة من شأنها تحويل أنظارهم ومطلبهم بحياة رغيدة ومستقبل افضل. تلك الحيل البائدة لم تعد تفلح في عالمنا الحالي، وإن الشباب، ومن ضمنهم تلامذتي في الجامعة الأميركية في بيروت، لا يكترثون للشعوذات السياسية والإقتصادية.

فخلال الثورات الأخيرة في كل من لبنان والعراق، أكدّ الشباب بأنهم أكثر من ظاهرة صوتية، واعترضوا على استمرار تهميشهم من قبل "ساسة" لم يبادروا إلا لخيار استعمال القوة و العنف لقمع حراكهم.

كيف ما نظرنا إلى وضعنا الحالي فلا مفر من الإصلاح ومن تمكين شبابنا العربي من الانتقال من صفوف المتفرجين إلى استلام دفة القيادة ولكن بعد تمكينهم وتلقينهم في أساليب حديثة ومناسبة لتحدياتهم، والسماح لأجيال جديدة من الشباب والشابات من دفن الشعارات القديمة التي تبدي الحجر على البشر، والتأكيد بأن لا صوت يعلو على صوت كرامة البشر وحقهم بالحياة السعيدة والرغيدة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم