إعلان

فلسطين في بداية ونهاية محمد نعمان...

المصدر: النهار العربي
لطفي النعمان
محمد نعمان
محمد نعمان
A+ A-
تفتّح وعي المفكر السياسي الوطني اليمني الشهيد محمد أحمد نعمان على اندفاع بيئته الأولى: الأسرة والمدرسة والقرية بلواء تعز، صوب تبني الدفاع عن القضية الفلسطينية وثورات الشعب الفلسطيني ضد البريطانيين، وأهمها (الثورة العربية الكبرى) والإضراب العام الكبير (1936-1939)، فكانت البداية الفلسطينية للنعمان الابن بمهرجان حماسي للتضامن مع فلسطين نظمه النعمان الأب الأستاذ أحمد نعمان في مدرسته الأهلية مع أهالي الحجرية، في حضور أمير لواء تعز علي بن عبدالله الوزير أواخر عام 1937.
 
تخللت المهرجان "الدعوة لفتح باب التطوع للجهاد في فلسطين؛ ومطالبة الدولة وعلى رأسها الإمام يحي بإظهار موقف تضامن حازم مع فلسطين؛ والتصدي بقوة لبريطانيا، دولة الانتداب المسؤولة عما يجري للفلسطينيين من تنكيل وترهيب؛ وتقديم الدعم المادي لأهالي فلسطين، والمطالبة بجمع التبرعات بواسطة لجان تُشكل في كل نواحي اللواء التعزي".
 
فلسطين في قلب نعمان الصغير
وثّق فعالية هذا المهرجان المنعقد أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 1937 تقرير مرسل من أحد طلاب مدرسة النعمان الأب، إلى صحيفة "الشباب" للزعيم الفلسطيني الراحل محمد علي الطاهر، نشر في العدد الصادر في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1937، متضمناً اختتام المهرجان بجمع التبرعات. وخاطب التقرير صاحب جريدة "الشباب": "واعلم يا أبا الحسن أن فلسطين في قلوب الأطفال في اليمن فضلاً عن المكلفين من الرجال، فإن طفلاً لمدير مدرسة الحجرية لا يتجاوز الخامسة من عمره تقدم بين يدي الأمير قائلاً: أتيتكم أذكركم بفلسطين، وألقى مطلع قصيدة الأستاذ النجمي: فلسطين قومي وهزي العلم".
 
"ليس المقصود بـ"طفلٍ لمدير المدرسة" إلا النجل الأكبر للأستاذ النعمان: محمد، وهو لما يتم الخامسة من عمره، إذ ولد عام 1933" وفق تفسير الباحث حسن شكري بدراسته القيمة "مركزية النعمان القيادية للأحرار في دعم ثورة فلسطين ... الثورة العربية الكبرى أنموذجاً"، وقد ظل مَن بقي مِن رفاق طفولته ومَن واكبوا صباه بشبابهم يستذكرون في شيخوختهم ذاك الموقف الخطابي المثبت في صحيفة "الشباب"، وحافظته المتميزة من الصغر.
 
وعقب مصرع الابتسامة أي سقوط ثورة 17 شباط (فبراير) 1948 الدستورية، واعتقال النعمان الابن بصنعاء وهو في الخامسة عشرة من عمره، حلت النكبة العربية الكبرى باحتلال فلسطين من جانب إسرائيل، وبقي يتسقط الأخبار والآراء والمعلومات حول تلك النكبة، فما أتم عشرينه إلا وقد تشكل لديه إيمان صوفي بالوحدة العربية مع وعي واقعي لحال التجزئة في الوقت نفسه، ويربط الحالين الفلسطيني واليمني معاً، ويتلمس عوامل التشابه بينهما.
 
مع قيادات فلسطينية
وفي طريقه إلى الثلاثين من عمره أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي وثقت محاضراته ما اعتبره "السبق المثالي المشترك الفلسطيني - اليمني الذي انقلب وبالاً على اليمن وفلسطين معاً، وهو الاعتماد على الجامعة العربية ودولها". ومن خلال أنشطته الإعلامية والسياسية والنقابية اليمنية والعربية، في منظمات "الاتحاد اليمني"، ثم "اتحاد نقابات العمال العرب" حيث عمل مساعداً للأمينين العامين للاتحادين، مع تحرير بعض الصحف العدنية ظل يتفاعل مع الشأن الفلسطيني ويتعرف إلى عدد من الشخصيات الفلسطينية الحزبية البعثية والقومية والوطنية مثل جورج حبش، وقبله عصام نوباني، يتبادل معهم الآراء حول القضيتين العربيتين الفلسطينية واليمنية، وعناصر تشابههما واختلافهما، وكيفية نشرهما لكسب المزيد من تعاطف الرأي العام الخارجي، وتوعية الداخل بها.
 
عاران: حرب في اليمن وفلسطين مغتصبة
ثم مع تحول اليمن ساحة حرب من أجل الآخرين، بعد اندلاع ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 شمال اليمن، وانصراف بعض القوى العربية إلى التنافس هناك يثار عجب نعمان الابن من هكذا تصرف يفتح به العرب باب معارك جانبية بينما فلسطين لا تزال مغتصبة!، وحتى أثناء عمله مندوباً لليمن في الجامعة العربية يقترح في كانون الثاني (يناير) 1965 تكثيف الجهود لمواجهة العدو المشترك بدلاً من تبديدها بخلافات حزبية جانبية ... ففي أثناء إحدى المناقشات حول مواجهة الاستعمار في عمان والجنوب المحتل ووفق مقترحه بتعديل مشروع إحدى المواد على النحو التالي "تخصيص برامج خاصة لهذه القضية لا تتعرض للخلافات الداخلية بين الأحزاب، وإنما تتجه لمناقشة القضية ومهاجمة العدو الرئيسي وهو الاستعمار والصهيونية"، حسب محاضر جلسات الجامعة.
 
لم يكن ليثير استنكاره المنطقي هذا التبديد للجهود، ككثير من مجايليه وآبائه، غيرَ ردِ فعل سلبي تجاهه من أولي القوة والنفوذ والتأثير في ساحة التخلف المعروض للإيجار: اليمن ... لا سيما وقد تناول مثل ذلك الرأي في كتابه الأثير "الأطراف المعنية في اليمن" بحثاً عن حل القضية اليمنية حلاً كفيلاً ببقاء الجمهورية المنشودة لكل اليمنيين، والتي كان نعمان الابن أول دعاتها منتصف الخمسينات من القرن الماضي، تحقيقاً لشعبية الحكم وإلغاءً لسوء الاستئثار واحتكار السيادة، مع ما كان يطمح إليه بمداولاته السياسية من مقترحات حلول مثالية وواقعية في آن تصون حق اليمنيين بحياة جديدة، وتحفظ ماء وجوه القوى العربية، ولا تنتقص مكانتهم المستنزفة مالاً ودماً مسفوحاً على جبال اليمن وصحاريه ووديانه.
 
وضع أيضاً في "الأطراف المعنية" العجز العربي عن معالجة المشكل اليمني مقياساً للقدرة على إنهاء احتلال فلسطين بقوله: "مؤتمرات القمة العربية المتلاحقة إذا لم تستطع أن تمد يدها لقضية اليمن فإنها وبكل تأكيد أعجز من أن تُقدِم على خطوة إيجابية لاستعادة فلسطين"، مبيناً أن "تعقيدات اليمن أقل من تعقيدات فلسطين". وختم كتابه هذا بالقول: "إن اليمن المحتاج لأخوّة قومية إيجابية فعالة، يستصرخ كل عربي اليوم قبل أن يلحق اليمن الحديث باليمن القديم، الذي لم نلقَ آثاره بعد، فيسجل على الجيل العربي المعاصر عار اغتصاب فلسطين وعار محق اليمن...!".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم