إعلان

الحاج عدنان وسمير قصير

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
A+ A-
المدرِّب التاريخي لنادي الأنصار اللبناني الحاج عدنان الشرقي والمؤرِّخ والمثقف التنويري سمير قصير شخصيتان قد تبدوان للوهلة الأولى مختلفتان تماماً نتيجة اختلاف مسيرتيهما المهنية. فالشرقي ينتمي إلى حقل الرياضة وكرة القدم الذي لم يكن لسمير أي اهتمام به سوى تشجيع منتخب إيطاليا في البطولة العالمية، في حين أن توجهات قصير الفكرية والأكاديمية لم تكن محط نشاط الحاج عدنان الكروية.
 
لكن الشرقي وقصير هما في واقع الأمر متشابهان كثيراً، وتجمعهما أمور كثيرة. ليس فقط في تاريخ رحيلهم في حزيران (يونيو) في سنتين مختلفتين، بل في انتمائهما العميق إلى مدينة بيروت التي أحباها و حافظا على تراثها وتعدديتها في مواجهة وحوش ثقافية ورياضية وسياسية لطالما حاولت تحويل بيروت ولبنان الى سجن كبير.
 
الحاج عدنان "إبن الحي" صنع مجد الكرة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، ثم حوّل نادي الأنصار ومنطقة الطريق الجديدة إلى "أيقونة كرة القدم" ووجه من وجوه نهضة بيروت من أنقاض الحرب ودمارها التي حاول الشهيد رفيق الحريري أن يروج لها تحت شعار "بيروت مدينة عريقة للمستقبل". فصوت الحاج عدنان بلهجته "الغلوية" الشعبية لطالما صدح في الملاعب بعبارات طريفة لتشجيع لاعبيه وقيادتهم نحو الفوز، ليشكلا وفريقه حركة سياسية بيروتية في وجه الميليشيات التي حكمت بيروت وجيش الاحتلال الأسدي الذي منع أهالي العاصمة من العمل السياسي الحر.
 
سمير قصير لم يكن من المعجبين بكرة القدم المحلية وهو وفق أصدقائه كان يسخر من الخصومات التاريخية التي جمعت النوادي الكروية ويهزأ بشغف البعض في الذهاب إلى الملاعب لمتابعة المباريات. لكنه انصرف في المقابل إلى كتابة تاريخ بيروت ونهضة تلك المدينة المتوسطية بأسلوب علمي خالٍ من التعصب والعنصرية، حيث ذكّر الغلاة من أنصار "القومجية" بأن هجرة "الشوام" (لبنان و سوريا و فلسطين) هي التي أعطت لبنان وبيروت رونقها وبريقها المتنور، كما ذكر العالم في مقالاته ومحاضراته بأن لا حرية في بيروت من دون ثورة في دمشق تطيح بنظام القاتل بشار الأسد.
 
سمير قصير أراد ان تكون بيروت جوهرة المتوسط الحقيقية عبر الانتقال نحو نظام علماني حديث يحمي البشر والحجر من حكام الطوائف. وهواجس قصير رددها الشرقي إنما على طريقته الخاصة في إطلالاته الأخيرة، داعياً من يرغب بإصلاح كرة القدم اللبنانية إلى "الانضمام الى الثورة" تماماً كما فعل قصير بندائه "عودوا الى الشارع أيها الرفاق، تعودون الى الوضوح".
 
الشرقي لم يتفلسف كثيراً و لم يدّع معرفة كل شيء، لكنه وبكل بساطة كان يعرف أن ارتهان لبنان للخارج هو من الأمور المؤذية، فروى كيف نزل في شبابه كتلميذ مدرسة الى الشارع احتجاجاً على اغتيال الثائر الكونغولي باتريس لومومبا في وقت لم يحرك فيه العالم ساكناً احتجاجاً على 15 عاماً من الحرب الاهلية اللبنانية.
 
ورغم اختلاف مسيرتي الشرقي وقصير المهنيتين، فقد أدرك الرجلان أن النظام اللبناني الحالي وتسوية 1943 غير قابلين للحياة "ناس بدها تروح مع فرنسا وناس بدها تروح مع سوريا... شو هل الوطن... من قبل ما ناخذ استقلالنا ونحن وهيك". (بلهجة الشرقي البيروتية)...
 
حكمة الشرقي الشعبية لا تقل أهمية عن الفكر التنويري والأكاديمي لسمير قصير الذي دفع حياته لنصرة الحرية والمستضعفين وتحويل بيروت الى بوابة تحرير الشرق من الظلمة.
عدنان الشرقي لم يُقتل بعبوة تحت سيارته كما اغتيل سمير قصير، بل هو يقتل في كل دقيقة يرضى فيها الشعب اللبناني بالوقوف في طوابير الوقود على محطات الذل والاحتفال بتعبئة خزاناتهم بدلاً من الوقوف على مدرجات الملاعب لتشجيع مباريات كرة القدم المحلية أو على أبواب المكتبات الصغيرة الساحرة لابتياع الكتب والمجلات.
 
بيروت التي نريدها هي بيروت الملعب البلدي عدنان الشرقي، وأشرفية سمير قصير وفؤاد بطرس، وحارة حريك محسن ولقمان سليم، و رأس بيروت منح بك الصلح ومعلمي كمال الصليبي، و ليس بيروت التي ترضى بالذل والفقر كعاصمة مارقة كارهة للحرية والحضارة. بيروت الشرقي وقصير هي بيروت النور والمحبة و التعددية... على سن الرمح.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم