إعلان

الصراع في المنطقة المغاربية يدخل مرحلة مفصلية

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
منطقة معبر الكركرات
منطقة معبر الكركرات
A+ A-
يؤكد عدد من الخبراء والمحللين أن المنطقة المغاربية لم تعرف منذ استقلال بلدانها حالة من عدم الإستقرار كالتي تعيشها اليوم، بعد أن كانت وإلى وقت غير بعيد مضرب الأمثال عربياً وأفريقياً في استتباب الأمن وقدرة الأنظمة الحاكمة فيها على الحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة. فقد باتت في السنوات الأخيرة هدفاً للمشاريع والأجندات الخارجية، القادمة أساساً من وراء المحيط والتي تستهدف ثرواتها التي تنوعت لتجعل منها أغنى مناطق العالم ليس فقط بموارد الطاقة، بل بالمواد المنجمية والمنتوجات الزراعية التي تؤهلها لتكون سلة غذائية إقليمية، ناهيك بالسياحة والخدمات وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
 
كما أن الموقع الإستراتيجي المطل على مضيقين واقعين على الطريق التجارية الدولية التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهندي عبر البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، هما مضيق صقلية بين تونس وإيطاليا ومضيق جبل طارق الذي يفصل المغرب عن شبه الجزيرة الإيبيرية، يجعل من المنطقة هدفاً للأطماع الخارجية. كما أن تموضع أساطيل القوى العظمى المسؤولة عن منطقة البحر الأبيض المتوسط على تخوم السواحل التونسية في جزيرة سردينيا الإيطالية يجعل من رغبة هذه القوى في الهيمنة على قرار دول المنطقة أمراً بديهياً يؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباها لدول المنطقة في حال تعارضت الإرادات بين أصحاب الأساطيل وحكام المنطقة.
 
ألم يكن أحد أسباب الإطاحة بنظام من أنظمة المنطقة هو رفضه استقبال القواعد العسكرية الأجنبية الي تعنى بالقارة الأفريقية على أرضه؟ ألم يكن نشر الإرهاب وتقوية شوكته في ربوع البلاد المغاربية مطيّة لبعض القوى لإضعاف دول المنطقة تمهيداً للهيمنة على قرارها السياسي وثرواتها ومدخراتها؟ ألم تكن المنطقة تاريخياً صراعاً لأطماع القوى الغربية والأتراك العثمانيين وغيرهم ممن أغراهم الموقع والثروات على حد سواء فجاؤوا غزاة وتصارعوا وزعزعوا الاستقرار لعقود إلى أن استتبت لهم الأمور؟
 
يؤكد البعض أن تزامن الاضطرابات في أغلب البلدان المغاربية لم يكن من باب المصادفة، وإن دل على شيء فهو يدل على أن هذه الرقعة الجغرافية مقبلة على تحولات كبرى خلال السنوات القليلة المقبلة قد تغير وجه المنطقة. فخلال هذه السنة استمرت الحرب الليبية من دون تمكين الأطراف الخارجية لأي من طرفي الصراع من الحسم، وفي تونس عاد شبح الاضطرابات الاجتماعية ليخيم على المشهد من جديد، فيما تعيش الجزائر على وقع عدم وضوح الرؤية بالنسبة إلى المستقبل في ظل تعديلات دستورية يخشى أن تكون سبباً في تقسيم البلد مع خروج انفصاليين من جحورهم وعودتهم للمجاهرة بخطاب لا يسر كل وطني غيور حريص على وحدة أراضي بلاده.
 
ويبقى الحدث الأبرز مغاربياً في الفترة الأخيرة هو تجدد الاشتباكات بين الجيش المغربي والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب المعروفة اختصاراً بـ"البوليساريو" قرب ثغرة الكركرات، وهي منطقة تقع وراء الجدار العازل الذي شيده المغاربة في الصحراء الغربية. وتؤكد "جبهة البوليساريو" التي تتمركز بمخيمات تندوف في الجزائر وفي أراض داخل الصحراء الغربية مجاورة لولاية تندوف الجزائرية يسميها المغاربة المنطقة العازلة ويسميها "البوليساريو" أراضي محررة، أنها تسيطر على الكركرات وهي منفذها على المحيط الأطلسي والذي يجعلها تفصل الأراضي الصحراوية الخاضعة لنفوذ الرباط عن موريتانيا.
 
لا أحدَ توقع قبل أسابيع أن يعود الطرفان إلى الاقتتال في ظل توجه الفرقاء منذ بداية تسعينات القرن الماضي إلى الأمم المتحدة والتي باتت ملزمة تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي سيعبر من خلاله سكان الصحراء بحرية عن خيارهم المستقبلي. كما لا أحد توقع تجدد الاشتباكات في ظل توازن الرعب بين المغرب من جهة، والجزائر الداعم الرئيسي لـ"البوليساريو" من جهة أخرى، واللذين عاشا منذ ستينات القرن العشرين سباق تسلح أنفقا عليه الغالي والنفيس على حساب التنمية الداخلية جعل من فرضية تجدد الاقتتال في المنطقة أمراً مستبعداً. 
 
فما الذي حصل؟ هل شعر أحد الطرفين بوهن الطرف الآخر وانصرافه إلى مشكلاته الداخلية وعدم قدرته على الرد، فأراد كسب النقاط على خصمه على الميدان؟ أم أن ما حصل هو رد طبيعي من المغرب على ما اعتبره استفزازات من "البوليساريو" التي أغلقت منطقة الكركرات بوجه الشاحنات المغربية التي تعبره يومياً باتجاه موريتانيا محملة بشتى أنواع البضائع في إطار تجارة بينية تنمو بين الرباط ونواكشوط؟ ومن يعتبر المبادر بإطلاق النار؟ "البوليساريو" المدعومة من الجزائر التي منعت مرور البضائع المغربية إلى موريتانيا عبر الكركرات أم المغرب الذي فتح ثغرة في الجدار العازل وبادر بإطلاق النار؟ وهل تحرك الطرفان بموجب قرار سيادي أم أن هناك طرفاً خارجياً يرغب في إشعال المنطقة دفع بأحد الطرفين إلى كسر الهدنة ووقف إطلاق النار المستمر منذ قرابة الثلاثة عقود؟
 
لا يبدو محيط البلدان المغاربية الذي يعتبر امتداداً طبيعياً، جغرافياً وعرقياً لهذه البلدان أفضل حالاً، فالحدود التي خطها الاستعمار وضم من خلالها مغاربيين من الطوارق على وجه الخصوص إلى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، لم تحل دون أن يتفاعل هؤلاء مع عمقهم المغاربي. فالطوارق الإنفصاليون في إقليم الأزواد في شمال مالي يستعدون لجولات جديدة ضد النظام المالي في باماكو وذلك رغم الوجود الفرنسي الكثيف في البلد واعتبار باريس أن وحدة الأراضي المالية وفقاً للحدود التي رسمتها هي خط أحمر.
 
ويؤكد عدد من الخبراء والمحللين، أن انفصال إقليم الأزواد الذي يقطنه الطوارق المغاربيون وعاصمته تمبكتو، عن باماكو سيشجع طوارق الجزائر وليبيا والنيجر على المطالبة بالإنفصال أيضاً وإحياء حلم دولتهم الذي أجهضه الإستعمار الفرنسي. ولعل الخشية من النزعات الإنفصالية هي التي جعلت هذه القضية لا تلقى الدعم اللازم رغم عدالتها المتأتية من حالة التمييز والتهميش والعنصرية التي يعاني منها طوارق الصحراء الكبرى الأفريقية في أزواد منذ أن تم التلاعب بخرائط المنطقة وإلحاق أراضيهم بالدولة المالية الوليدة بداية ستينات القرن العشرين.
 
ولعل ما يزيد الطين بلة أن بعض دول الجوار تدفع منذ سنوات باتجاه الفوضى في البلدان المغاربية على غرار "تشاد إدريس دبي" التي لا تخفي مطامعها في ثروات ليبيا ورغبتها في بسط نفوذها على مناطق في جنوب ليبيا لتأديتها خدمات بالوكالة للمستعمر السابق للمنطقة. ويبدو هذا الجنوب غير الخاضع لأي سلطة ليبية بؤرة لعصابات الإتجار بالبشر والهجرة السرية التي يذهب ضحيتها مواطنون أفارقة من جنوب الصحراء باحثون عن "جنان الخلد" في القارة العجوز مروراً بليبيا أو بتونس المتاخمة للسواحل الإيطالية.
 
وفي خضم هذه "الفوضى الخلاقة" يبدو أن الجماعات التكفيرية على غرار "القاعدة" و"داعش" الإرهابيين و"أنصار الشريعة" و"كتيبة عقبة بن نافع" وغيرها من المسميات، هي أبرز المستفيدين باعتبار أن الوضع الراهن يعطيها قدرة أكبر على التحرك بحرية بين دول المنطقة وكسب المزيد من الأنصار والمريدين في ظل تدهور الوضعين الاقتصادي والاجتماعي وتنامي النقمة على الحكومات الفاشلة... وتوظف هذه الجماعات أطرافاً خارجية حاملة لأجندات مضرة بمصالح دول المنطقة، كما أن بعض البلدان المغاربية نفسها تستغل هذه الجماعات لضرب مصالح بعضها البعض باعتبار أن العلاقة الاقتصادية بين هذه الدول لم تتجاوز مرحلة المنافسة إلى مرحلة الشراكة والتعاون.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم