إعلان

الانتخابات الأميركية في ميزان العرب (4): عقيدة ابن سعود والعلاقات السعودية - الأميركية

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الملك الراحل فيصل والرئيس جونسون في واشنطن 1966
الملك الراحل فيصل والرئيس جونسون في واشنطن 1966
A+ A-
وزير الإعلام السعودي السابق الشيخ عبدالله بلخير، الذي عمل مترجماً مع الملك عبدالعزيز في لقاءاته التاريخية مع الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل في مصر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، روى موقف الملك المؤسس من الإنكليز والأميركيين، والذي لخصه بأن الأميركي شريك والبريطاني صديق، والشريك يتقدم دوماً على الصديق.
 
هذا التوصيف الدقيق لعلاقة المملكة العربية السعودية منذ قيامها عام 1932 مع القوتين الأعظم في ذلك الوقت، يشرحه التاريخ. فالإنكليزي كان في مطلع القرن العشرين يمثل أمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، تحيط بالبلاد السعودية إحاطة الأسوار بالمعصم، فهي تهيمن على منطقة الخليج من ساحل عمان والإمارات المتصالحة الى إيران والعراق، مروراً بقطر والبحرين والكويت. وهي تحيط بنا شمالاً في الأردن وفلسطين، وغرباً في مصر والسودان، وجنوباً في عدن وحضرموت. وكانت منطقة الخليج تقع تحت الإدراة البريطانية في الهند، فيما تقع بقية البلدان تحت إدارتها في مصر. 
 
لم تكن علاقة السعودية، الدولة الناشئة مع المملكة المتحدة تزيد عن الصداقة، فقد اختارت الرياض أن تحافظ على استقلالها برفض الدخول في المحاور المتحاربة، حتى ثبت لها انتصار الحلفاء، فأعلنت انضمامها في الساعة الأخيرة لكي تفوز بنصيبها في غنائم السلام. أما مع الولايات المتحدة، فقد اختارت أن تقوم علاقتها مع النجم الدولي الصاعد على أساس الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية. فبعدما رفضت الشركات البريطانية التنقيب عن النفط في الساحل الشرقي للمملكة، باعتبارها مغامرة غير مضمونة (رغم اكتشافاتها المبكرة في البحرين وإيران والعراق)، دعا الملك الشركات الأميركية في اوائل الثلاثينات من القرن الماضي للتنقيب، فنجحت بعد محاولات عديدة في اكتشاف حقل الغوار، أكبر حقول النفط في العالم. 
 
أجّل قيام الحرب العظمى العمل في المشروع، ولكنه عاد بقوة مع نهاية الحرب، واجتماع الزعيمين السعودي والأميركي على ظهر البارجة الأميركية كوينسي في البحيرات المرة عام 1945، حيث تم وضع أسس العلاقات السعودية - الأميركية، القائمة على تأمين النفط والعالم الحر وحماية مناطقه وممراته البحرية. 
 
ويروي الشيخ عبدالله بلخير أيضاً، أن الملك في اجتماع مع مستشاريه، وهم نخبة من السياسيين والمثقفين العرب (أمثال السوري يوسف ياسين، والمصري حافظ وهبة، والليبي خالد أبو الوليد، واللبناني فؤاد حمزه، والفلسطيني رشدي ملحس، والكردي خيرالدين الزركلي، والعراقي عبدالله الدملوجي) شرح لهم أسباب اختياره الولايات المتحدة كشريك استراتيجي، بأن الولايات المتحدة دولة فتية صاعدة، فيما غيرها من القوى الأوروبية الكبرى قد بلغت أوجها، وليس أمامها غير الهبوط. وقد أثبتت الأيام صحة رؤية الملك، خصوصاً بعد خروج المارد الأميركي من القمقم، وانضمامه الى دول التحالف في حربها ضد النازية، وسيطرة الاقتصاد الأميركي بعد النصر على الاقتصاد الأوروبي عبر مشروع مارشال للتعمير والإنماء، وعلى دول المحور، والبلدان التي خرجت من تحت عباءة الاستعمار. 
 
إذن، صح رهان السعودية على أميركا، ورهان أميركا على السعودية، فرغم كل الأعاصير التي مر بها العالم والخلافات التي تخللت العلاقة بين الشريكين، خصوصاً في قضايا الشرق الأوسط، والموقف الأميركي من الصراع العربي الإسرائيلي. إلا أن رسوخ الأسس التي غرست قبل خمسة وسبعين عاماً ساعد في نمو وازدهار المصالح المشتركة تحت إدارة سبعة ملوك وأربعة عشر رئيساً ديموقراطياً وجمهورياً. فحجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ عام 2018 أكثر من 37 مليار دولار، كما بلغت الاستثمارات السعودية في أميركا 506 مليارات دولار، والاستثمارات الأميركية في السعودية 55 مليار دولار، ووصل التعاون العسكري والأمني الى مستويات غير مسبوقة على مدى ثمانية عقود. 
 
ولعل ما ساهم في استقرار العلاقات بين البلدين، حرص الرياض على عدم التدخل في السياسات الداخلية الأميركية، فهي كمبدأ عام لا تحيد عنه، تتعاون دائماً مع الحكومات لا الأحزاب. فرغم الصلات الخاصة والقوية التي ربطت الملك عبدالعزيز مع العائلة الملكية المصرية، إلا أنه أكد للضباط الأحرار الذين زاروه في الطائف بعد الانقلاب على الملك فاروق عام 1952 برئاسة اللواء محمد نجيب، أنه سيتعامل من يختاره الشعب المصري لتمثيله، لكنه طلب عدم استهداف الملك في منفاه بروما أو عائلته بسوء، وأبلغهم بأنه سيتولى توفير احتياجاته الخاصة. 
 
ومضى أبناء الملك المؤسس على منهجه، وكانت علاقتهم مع الحكومات الأميركية المتوالية من منطلق العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، بغض النظر عن الحزب الحاكم. كما احترم الأميركيون سيادة المملكة، ورفضها لأي تدخل في شؤونها الداخلية، وعلاقاتها الدولية، ومواقفها تجاه القضايا العربية. وعندما حاول الرئيس باراك أوباما فرض رؤيته لعلاقة المملكة تجاه مصر والبحرين، رفض الملك عبدالله بقوة، وأغلق وزير خارجيته الأمير سعود الفيصل سماعة الهاتف في وجه نظيرته الأميركية، هيلاري كلينتون، عندما حاولت الاعتراض على دخول قوات درع الجزيرة الى البحرين عام 2011 لتثبيت أمنها في وجه مؤامرة تحويلها الى محافظة إيرانية. 
 
أقدّم ما سبق، لأوضح لكل من يتصور أن العلاقات السعودية - الأميركية تتأثر جذرياً بمن يحكم البيت الأبيض أن الأمر ليس بهذه البساطة. وبغض النظر عن التوجهات العامة للأحزاب والرؤساء، فالدول التي تحكمها مؤسسات وتديرها الدولة العميقة الراسخة في رؤيتها الاستراتيجية للعالم ولمكانها فيه، لا تدار بالأهواء الشخصية والتوجهات الفردية. وبغض النظر عمن يربح هذا الثلثاء السباق الى البيت الأبيض، سيتجاوز الفائز كل التصريحات الانتخابية ويقرأ التقارير التي تعدها له يومياً أجهزة الدولة ووكالاتها الوطنية، وسيخط بناء عليها سياسته الخارجية التي تحقق مصالح بلاده، وتتوافق مع التزاماتها واتفاقياتها الدولية. ومع وجود مساحة للاجتهادات والقناعات الشخصية، إلا أن الخطوط العريضة ستبقى على ما هي، وسيشارك الطرفان في أي مناورة للتحرك في إطارها. على هذا مضت العلاقة ثمانية عقود وعلى هذا يتوقع لها أن تواصل المسير. 
 
@kbatarfi 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم