إعلان

عرب العجم بين الدين والوطنية... ودروس التاريخ

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
عرب العجم
عرب العجم
A+ A-
عبر التاريخ، استطاع القادة السيطرة على شعوبهم باستخدام "العقائدية" أو "الوطنية"، أو  كليهما. ولضمان الطاعة والانضباط استخدم الخوف والأمل. وحال العرب لم يختلف عن حال غيرهم، وإن كان اليوم أسوأ ... كيف؟
 
منذ أول جماعة تشكلت على هذه الأرض، كان على القائد "الالفا" يدّعي لنفسه تميزاً يعطيه الحق بأن يري أتباعه ما يرى. وهكذا ولدت العقائد الوثنية التي تفسر أحوال الكون لعامة الناس، وتوفر لهم الأمان من مخافة المجهول، والأمل بالنجاة في الدنيا وما بعد الحياة. 
 
وهكذا ولد الكهنة الذين يستخدمهم القادة لتأليههم أو تعميدهم ممثلين للآلهة ومعصومين من الخطأ والنسيان. 
 
وبعدما كثر الناس وتعددت المجاميع وتشكلت القبائل، عمرت الأرض، وصيغت مفاهيم الوطنية في المواقع المأهولة. وبعدما توزعوا وتفرقوا، نشأت فكرة القومية التي تجمعهم بالعرق والدم. وهكذا استطاع الفراعنة أن يشكلوا وطناً اسمه مصر، وقومية تجمع سكانها، وأن يحكموا كآلهة لا يُسألون عما يفعلون ولا يرون الناس إلا ما يرون. وهكذا فعل كل الأباطرة والملوك وزعماء الجماعات البشرية في كل مكان، ما قبل الحضارات الإنسانية وما بعدها.
 
وفي العصور الوسطى، استخدم أباطرة وملوك وأمراء وإقطاعيو أوروبا وروسيا والصين والهند، العقائد والثقافات ليحكموا باسم الرب ويغزوا باسم الدين ويجمعوا الجماهير باسم القومية والوطنية. ثم خرجت أوروبا من حروبها الدينية، وروسيا والصين من حروبهما الأهلية، وجاءت الثورات الصناعية والثقافية، فأعادت أوروبا إنتاج الديموقراطية اليونانية وطورت الرأسمالية، واستلهمت روسيا والصين الاشتراكية الماركسية، فاستبدل القادة المعابد بالدساتير والقوانين والأنظمة الوضعية. 
 
بقيت الوطنية والقومية حية، فاستخدمت الأولى لترسيم الحدود وتنظيم العلاقات البينية عبر اتفاقيات ومنظمات دولية. واستغلت الثانية من الأحزاب والجماعات والقيادات الشعبوية لتجاوز كل ما أنجزته الأولى، وإشعال الصراعات واستخدام القوة العسكرية والاقتصادية للسيطرة والتوسع. وهكذا اشتعلت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية لإعادة ترسيم الحدود وتمكين القوي وصياغة العالم الجديد. 
 
 
عالمنا العربي ليس بعيداً عن كل ذلك، فقد فرّقته العقائد والعرقيات ثم جمعته، ثم فرّقته من جديد. عصفت الحروب بين قبائله قبل أن يجمعها الإسلام ويجمع بها قوميات أخرى كالفارسية والقبطية والبيزنطية والتركية والمغولية والهندية وحتى الصينية. فمن أسوار الصين الى بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، ومن أسوار باريس الى أدغال أفريقيا، حكمت القومية العربية أصقاع الأرض، لا بالعرق، ولكن بالدين. 
 
ثم جاءت المذاهب والخلافات الفقهية فتفرّق العرب وضعفت سيطرتهم وساد الأعاجم من فرس ومغول (مغول الشرق ومغول الأناضول)، وحكم الصليبيون باسم الدين تارة وبالاستعمار أخرى. حتى ثار العرب مرة أخرى وأخرجوا هذا وذاك، وحصلوا على استقلالهم في المشرق والمغرب، وأطلقوا دعوة القومية العربية، وبدأوا مسيرة الوحدة السياسية.
 
إلا أن كل المحاولات والتجارب الوحدوية فشلت، وانتصرت الوطنية، واستقر على ذلك الحال منذ خمسينات وستينات القرن الماضي حتى تم إحياء مشروع الخلافة الإسلامية مع موجة الجهاد الإسلامي في أفغانستان ثم الشيشان والبوسنة، وصعود الجماعات الجهادية كـ"القاعدة" و"داعش"، وحتى مؤامرة الربيع العربي في مطلع القرن الحادي والعشرين. فبعد الثورة الخمينية في إيران 1979، جاء الملالي بمبدأ الولي الفقيه الذي سيحكم الأمة الإسلامية ويعيد لها مجدها، وبعد حوادث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، خرج علينا "المحافظون الجدد" في دورتي رئاسة جورج بوش الابن باستراتيجية "الفوضى الخلاقة" لإعادة رسم خريطة العالم العربي، ولحقهم "الديموقراطيون الجدد" في دورتي إدارة باراك أوباما بالربيع العربي لهيمنة أميركا على الحكومات الإخوانية الجديدة بإدارة تركيا وإيران، وتمويل ودعاية من قطر. 
 
وها نحن اليوم نعود الى المربع الأول في كثير من بلداننا العربية التي تقاسمها الفرس والمغول والإخوان، قبائل متصارعة متحاربة، يجمعها ويفرّقها الدين والعرق، ويحكمها وكلاء العجم من غساسنة ومناذرة العصر، أحزاب وميليشيات وجماعات إرهابية. فيما سادة الشرق والغرب، يملأون خزائنهم من مبيعات السلاح وأدوات الدعاية ومنتجات الطعام والكساء والرفاهية. 
 
وحتى نخرج من هذا المأزق، وحتى ننتقل الى المربع التالي، نحن بحاجة الى جيل جديد بعقلية جديدة، متحررة من قيود الماضي ومستنقع الحاضر، لتقودنا الى المستقبل. مستقبل نجتمع فيه على قيم التسامح والتعايش والسلام، وتتلاقى مصالحنا على الأمان والنّماء والتّطور، وتشترك أدواتنا في مجالات التعليم والاستثمار والتعاون. نقيّم بعضنا على مقياس الكفاءة والأداء والشخصية، لا على المذهب والعرق والهوية.  
هذا الجيل مولود وموجود، وشاهد على فشلنا وخيبتنا، ومن حقه أن يتسلم زمام القيادة، بشرط وحيد ... ألا يكون مثلنا فيتبع دربنا ويكرر أخطاءنا. وله منّا الدعاء والتأييد والمعونة. 
 
 
Twitter: @kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم