إعلان

مالي بين الثقافة الانقلابية والهيمنة الاستعمارية

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
انقلاب الجيش في مالي
انقلاب الجيش في مالي
A+ A-
سرت الثقافة الإنقلابية في مالي كسريان النار في الهشيم ولم تعد الطبقة السياسية في هذا البلد الأفريقي المتاخم للمنطقة المغاربية والمطل على الصحراء الكبرى، قادرة على تسيير شؤون الدولة من دون تدخل المؤسسة العسكرية. فالإنقلابات باتت خبزاً يومياً في هذا البلد يعيش على وقعها الشعب المنكوب الذي تدهورت أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وأنهكته الحروب الإنفصالية وتغلغل الإرهاب في صفوفه.
 
تعاني مالي من هيمنة المستعمر السابق على اقتصادها ومصادرته لقرارها السياسي إلى درجة المبالغة مقارنة بباقي المستعمرات الفرنسية السابقة في القارة الأفريقية التي حافظت على الكثير من مظاهر السيادة مقارنة بباماكو. فقد ساهم الإنقلاب العسكري الذي قاده الجيش عام 2012 واقتراب الجماعات التكفيرية التي استأثرت بإقليم أزواد الطوارقي من العاصمة باماكو في إيجاد فرنسا للذريعة التي تمكنها من العودة بجيوشها إلى مالي وضرب سيادة البلد في مقتل.
 
ولم يحل التواجد العسكري الفرنسي الكثيف منذ عام 2012 دون حصول الإنقلابات العسكرية في مالي التي كانت هذه المرة على موعد مع الإنقلاب الخامس في عصر استقلالها المضطرب، حيث بدأ مسلسل الإنقلابات بعملية الإطاحة بالديكتاتور الدموي موديبو كايتا من قبل الجنرال موسى تراوري عام 1968، ولم ينج الأخير من مصير سلفه كايتا وتمت الإطاحة به أيضاً بانقلاب عسكري قاده الجنرال أمادو توماني توري عام 1991. وسلّم الاخير الحكم لرئيس منتخب هو ألفا عمر كوناري ليتسلمه منه مجدداً من خلال صناديق الاقتراع عام 2002. وتمت الإطاحة بـ"توري" بعد عشر سنوات إثر فشله في قمع الطوارق شمال البلاد، ليخلفه النقيب أمادو سانوغو الذي منح السلطة لاحقاً لمدني منتخب هو إبراهيم أبو بكر كايتا الذي أطاح به الجيش منذ أقل من عام.
 
لقد كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يراهن خلال هذه الفترة من العام على جولة أفريقية يستعرض من خلالها "عضلاته" في بلدان القارة ويثبت أن فرنسا ما زالت فاعلة في مستعمراتها القديمة وأنها قوة يُحسب لها ألف حساب. لكن انقلاب مالي خلط الأوراق وأثبت أن باريس ورغم تواجدها العسكري الكثيف في هذا البلد لم تتمكن من السيطرة على الأوضاع وتحول دون الإطاحة بالحكام الشرعيين الذين يدينون لها بالولاء.
 
فمالي شأنها شأن تشاد هي حليف وتابع استراتيجي لفرنسا في القارة السمراء وهي أيضاً حجر الأساس في حرب فرنسا على الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء في إطار ما عرف باسم "عملية برخان" وهي العملية التي تتذرع بها باريس لتأبيد تواجدها العسكري في تلك الربوع. وبالتالي، فإن عملية اغتيال إدريس ديبي في تشاد والإنقلاب الأخير في مالي ستكون لهما انعكاسات سلبية على صورة فرنسا في المنطقة وعلى هيبتها، وهي التي عجزت عن منع الإطاحة بالرئيس المالي بوبكر كايتا منذ عام ثم الرئيس الإنتقالي الحالي باه نداو الذي عينه المنقلبون على كايتا تحت ضغط من رؤساء غرب أفريقيا وليس فرنسا ليتم الإنقلاب عليه بدوره بذريعة قيامه بتعديل وزاري من دون استشارة رجل مالي القوي الجديد الجنرال هاشمي جويتا.
 
ويعتقد البعض أن عجز فرنسا عن التصدي لمغتصبي السلطة في مالي سيفتح الباب على مصراعيه لسيناريوات مماثلة في بلدان أفريقية فرنكوفونية تعيش أوضاعاً شبيهة بتلك التي تعيشها مالي وفيها جيوش تدلي بدلوها في الشأن السياسي. ففي تشاد على سبيل المثال يوجد مجلس عسكري يقوده نجل الرئيس السابق إدريس ديبي وقد يتراجع هذا المجلس عن وعوده وأهمها إجراء الإنتخابات خلال سنة ونصف سنة من تسلمه لمهماته في إدارة شؤون الدولة موقتاً.
 
في المقابل يرى البعض أن فرنسا تغض الطرف عمداً على عربدة المؤسسة العسكرية في مالي حيث انتقدت بلطف مثير للشك والريبة الإنقلابين الأخيرين اللذين حصلا في أقل من عام وعلى يد الجهة ذاتها، وباركت الوزراء الذين عينهم الجيش في الحكومة الانتقالية قبل أقل من عام، وذلك نظراً لحاجتها إلى الجيش المالي شريكها في عملية برخان التي تمنحها شرعية التواجد عسكرياً في القارة السمراء. ويؤكد هؤلاء أن الجنرال هاشمي جويتا الذي قاد الإنقلابين الأخيرين في أقل من سنة ما كان ليقدم على ما أقدم عليه لولا مباركة فرنسا التي في إمكانها إزاحته وتصفيته إذا أرادت ذلك ومتى شاءت.
 
وبالتالي لا يصدق عاقل أن تلك الدمى الطيّعة في غرب القارة السمراء في إمكانها أن تعصي أوامر باريس خصوصاً بعد التراجيديا التي كان بطلها الرئيس الإيفواري السابق لوران غباغبو الذي رفض تسليم السلطة لخلفه الحسن واتارا فقامت قوات فرنسية باعتقاله بعد قصف عنيف لمقر إقامته. وبالتالي لا يبدو أن عجز فرنسا هو الذي حال دونها وردع الإنقلابيين وإنما حاجتها لقيادة الجيش المالي شريكها في محاربة "الإرهاب" الذي تتخذه ذريعة لتأبيد بقائها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم