إعلان

ليبيا... المخاض العسير

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
خلال نيل الحكومة الليبية الثقة في البرلمان
خلال نيل الحكومة الليبية الثقة في البرلمان
A+ A-
لا يختلف إثنان على أن ما تحقق في ليبيا في الآونة الأخيرة على قدر كبير من الأهمية ويساهم في تحقيق الاستقرار في بلد عانى من الاضطرابات والاقتتال الأهلي طوال عقد من الزمن. فتركيز سلطة تنفيذية موحدة جمعت الأقاليم الثلاثة ونالت تزكية البرلمان الشرعي الذي منع في السابق من عقد جلساته في طرابلس ورابط شرقاً في طبرق لسنوات، ليس بالأمر الهيّن. لكن لا يمكن لأي عاقل أيضاً أن ينكر أنه ما زال هناك الكثير مما يجب القيام به حتى يصل بلد عمر المختار إلى بر الأمان بعد عشر سنوات من الفوضى تسببت في انهيار مقومات الدولة.
 
ولعل أهم المعضلات التي تواجه البناة الجدد لليبيا، مسألة المسلحين الأجانب خصوصاً القوات التركية والشركات الأمنية الروسية التي يبدو أن لدى من أرسلها إصراراً على بقائها رغم الضغوط الأوروبية والأممية. ولعله بات من الضروري لمن يروم الاستقرار لليبيا الجديدة أن يجد الصيغ التي تكفل رحيل هذه القوات مع تأمين مصالح بلدانها التي يبدو جلياً أنها توظف تواجدها عسكرياً على الميدان كأوراق ضغط للمقايضة بالمغانم في الطاقة وغيرها.
 
ومن المعضلات أيضاً مسألة فوضى السلاح المنتشر في كل مكان سواء لدى المدنيين أو لدى عناصر الميليشيات التي لم يقرر حلّها بعد رغم التقدم الكبير في العملية السياسية. فالأمر لا يقتصر على بعض القطع التي تستعمل في معارك الشوارع من الرشاشات وغيرها، بل يتجاوزه إلى السلاح الثقيل من دبابات ومدافع متطورة وراجمات صواريخ سطت عليها هذه الميليشيات بعد أن فتح القذافي مخازن السلاح قبيل سقوطه وبعد أن تدفقت أحدث أنواع الأسلحة على ليبيا من كل حدب وصوب رغم الحظر الأممي طوال العشرية الأخيرة.
 
ويرى البعض أن حل هذه المعضلة يتطلب الإستفادة من تجارب سابقة لبلدان عاشت أوضاعاً شبيهة بتلك التي تعيشها ليبيا اليوم وأدت الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني أدواراً مهمة في سبيل تحقيق الاستقرار والسلام في هذه البلدان. وتقوم هذه الحلول بالأساس على تسليم عناصر الميليشيات لأسلحتهم إلى الدولة مقابل الإدماج في القوات المسلحة الشرعية أو في الوظيفة العمومية أو من خلال منحهم هبات مالية لبعث مشاريع خاصة لتأمين العيش الكريم في حال رفضوا الإدماج الوظيفي، وغيرها من الحلول العملية التي تتطلب تسليم السلاح إلى الدولة أولاً.
 
ولعل اغتيال المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية محمود الورفلي مؤخراً بعد تعرض سيارته لوابل من الرصاص قرب إحدى الجامعات في بنغازي شرق البلاد، يؤكد أن "المسيرة السلمية" الليبية ما زالت طويلة وشاقة وتقتضي مضاعفة الجهود للخروج من هذا المستنقع. فهناك فوضى أمنية مستمرة ويمكن أن تندلع المعارك في كل حين ما دام السلاح منتشراً في البلاد وما دامت الميليشيات "الإخوانية" والتكفيرية والقبلية وغيرها لم يقع حلها وما زالت ترتع في البلاد وتعربد.
 
ويؤكد البعض أن اغتيال الورفلي جاء في الأساس لإسكاته وإخماد صوته باعتباره في نظر البعض كنزاً ثميناً من المعلومات الإستخباراتية المتعلقة بأشخاص فاعلين ووازنين في المشهد الليبي يخشون أن يتم الزج بهم في القضايا المطلوب من أجلها الورفلي للقضاء الدولي. كما يذهب آخرون باتجاه التأكيد أن الورفلي اغتيل في إطار عملية ممنهجة للتخلص من الميليشيات المسلحة سواء بالدمج أو بالتصفية للرافضين لهذا الدمج، ومن بينهم الورفلي الذي يبدو وكأن مهمته قد انتهت وآن أوان التخلص منه ومن الكثير من أمثاله.
 
وأمام الليبيين أيضاً مسيرة سياسية شاقة وانتقال ديموقراطي طويل المدى يبدأ بصياغة الدستور الجديد ثم إجراء الإنتخابات على أساس هذا الدستور فتركيز المؤسسات الدستورية، إضافة إلى بناء الأحزاب التي هي عماد الحياة السياسية. ويتطلب هذا الأمر سنوات طويلة أو ربما عقوداً باعتبار أن البلد عاش عقوداً من التصحر السياسي ولم تتواجد فيه أحزاب طوال أربعين سنة من حكم القذافي. وبالتالي حتى يستقر المشهد لا بد من مرور سنوات طويلة تحصل فيها متغيرات كثيرة تساهم في ترسيخ ثقافة الديموقراطية والتداول السلمي على السلطة.
 
ولا بد، وبالتوازي مع إعادة إعمار المدن الليبية بالمنشآت الجديدة والبنى التحتية، أن يعاد إعمار العلاقات الاجتماعية وأن يتم الاستثمار في ترميم النفوس المنكسرة والمعنويات المنهارة بعد عقد من الظلم والقهر والتناحر بين بناء البلد الواحد. ولا مفر في هذا الإطار من الإنخراط في مسار للعدالة الانتقالية يتم فيه كشف الحقائق كاملة واعتذار الجلادين عما اقترفوه، إضافة إلى إصلاح المؤسسات وطي صفحة الماضي بعد التعويض للضحايا.
 
فما حصل من انتهاكات خلال السنوات الماضية بحق الليبيين من قبل ليبيين من أبناء جلدتهم فظيع ويندى له الجبين وموثق من قبل المنظمات الحقوقية المحلية والأجنبية، سواء تعلق الأمر بميليشيات اعتدت على أفراد، أو بقبائل اعتدت على قبائل أخرى اختلفت معها في الولاء إلى هذا الطرف أو ذاك. وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه للانتقام والانتقام المضاد بما أن الأمر يتعلق بمجتمع قبلي يلعب فيه الثأر دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية باعتباره عنصراً من عناصر التفوق على الآخر وسحقه من أجل استرداد الكرامة المفقودة، ومن دون هذا الثأر تفقد القبيلة هيبتها بين القبائل ويذيع صيت عجزها وتتناقله الأجيال.
 
لذلك فإن الاستقرار في ليبيا، وخلافاً لما يعتقد البعض، ما زال بعيد المنال ويحتاج إلى جهود كبيرة من فرقاء الداخل، وأيضاً وفي الأساس، من فرقاء الخارج، باعتبار أن من جعلوا من ليبيا ساحة للصراعات الإقليمية والدولية باتوا اليوم فاعلين في المشهد السياسي والأمر مرتبط بهم وبتفاهماتهم. فمن يضمن ألا يختلف الفرقاء الدوليون مجدداً ويجنحون إلى العنف في ليبيا الساحة لتصفية حساباتهم؟ ألم يبشر البعض باستقرار العراق بعد إجراء انتخابات ديموقراطية فيه ورحيل قوات الاحتلال الأميركية، فإذا بالبلد يعود إلى مربع العنف نتيجة لصراعات الآخرين على أرضه؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم