إعلان

هل الظروف مُهيّأة لحوار عربي - إيراني؟

المصدر: النهار العربي
د.ناصر زيدان
قوات من الحرس الثوري الإيراني
قوات من الحرس الثوري الإيراني
A+ A-
دعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، المملكة العربية السعودية للحوار، حملت مجموعة من المؤشرات السياسية الإيجابية والسلبية في آنٍ واحد. وكان لافتاً في مضمون تصريح ظريف الإعلان عن شروط إخضاعية غريبة، ومنها الطلب من الرياض تعديل سياستها ووقف حرب اليمن والخروج من المحور الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. وفي التصريح ذاته، اعترف ظريف بأن واشنطن لن تخوض حرباً في المنطقة من أجل المصالح السعودية. وفي هاتين الإشارتين تناقض واضح، حيث وضع واشنطن في موقع العاقل المُتبصِّر من جهة، بينما هي مُتهمة منهم على الدوام بأنها تمارس عدواناً على إيران وتخضعها لعقوباتٍ تجارية خانقة.
 
لا يقتصرالصراع في المنطقة على الملف النووي الإيراني كما يحلو للأوساط الأميركية والروسية والأوروبية إظهاره، لأن الإشتباك السياسي والإنفلاش الأمني والطموحات الإقليمية لإيران لها الحيِّز الأوفر في هذا الصراع، برغم أن الاعتراض على البرنامج العسكري النووي لإيران يُشكِّل جزءاً أساسياً من الخشية لدى دول المنطقة، لا سيما العربية منها، لأنه يضيف توتراً هائلاً على الهياج الإقليمي، وسينسف قواعد التوازن والاستقرار، وسيعطي إسرائيل ذرائع إضافية للاستمرار بسياستها العدوانية، ويدفع باتجاه سباق تسلُّح نووي، لأن السعودية وتركيا مثلاً، لن تقبلا بأن تمتلك جارتهم الكبرى سلاحاً نووياً من دون أن تمتلكه أنقرة والرياض.
 
دعوة ظريف المشروطة لهذا الحوار، جاءت لتضفي بعض التعقيد على المحاولات العُمانية والقطرية لتنظيم الخلاف بين مجموعة واسعة من الدول العربية وإيران، وهي ترافقت مع توجيه صواريخ باليستية إيرانية ضد مدينة الرياض إنطلقت من مصادر مجهولة، قيل أن مصدر بعضها اراضٍ عراقية تسيطر عليها ميليشيات موالية لإيران. والجانب العربي اعتبر أن دعوة ظريف غير جدية، وهي تحمُل بعض التشاطر الممجوج، لأن الذي يريد الحوار، عليه أن يوقف العدوان أولاً، ويكف عن الاتهامات المردودة بالتبعية. والجميع يعلم أن سياسة إيران في خلق الفوضى واستهداف الدول العربية المجاورة هي التي أعطت الفرصة للولايات المتحدة الأميركية بالتدخُل، كما أنها فتحت الأبواب أمام اسرائيل للإستفادة من الوضع المُستجد.
 
سبق للجانب العربي، والخليجي تحديداً، أن رحب بالتعاون مع إيران، لكن النتائج كانت مُخيبة للآمال، بحيث استباح "الحرس الثوري" الإيراني كل المُحرمات، وتجاوز كل أصول التعامل بقاعدة حسن الجوار، وبنى شبكات إرهابية لضرب المصالح العربية وتفجير المقرَّات الحيوية، كما أنشأ ميليشيات مُسلحة لبعث الفوضى وتدمير ركائز المشروعية في الدول العربية المجاورة، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان وبعد ذلك في اليمن، بينما الدول العربية لم تتدخل في الشأن الإيراني الداخلي، برغم أنها كانت قادرة على هذه المهمة، وأمامها نداءات إسغاثة قُدمت من قبل عرب الأهواز الذين أحتلت ايران ارضهم وألغت دولتهم المستقلة في عام 1928، وهؤلاء يقطنون في مناطق استراتيجية مُشاطئة للخليج من الجهة الشرقية الشمالية.
 
العرب تواقون للحوار مع إيران، وهذا الحوار فيه منافع استراتيجية للفريقين وللمسلمين عامةً، لكن يبدو أن الظروف الموضوعية غير مُهيئة لإنطلاق هذا الحوار، لأن مساحة الاختلاف واسعة جداً، وليس صحيحاً أن الموضوع محصور في الملف النووي وفي التحالفات الخارجية التي تنسجها الدول الخليجية. وتعكس تصريحات المسؤولين السعوديين، كما بعض البيانات الصادرة عن مجلس جامعة الدول العربية رؤىً متباعدة، ودعوة الى تصحيح الاختلال الكبير الذي أصاب العلاقات مع إيران. ولكي ينجح أي حوار لا بد لإيران برأي هؤلاء من أن تُعيد النظر بغالبية استراتيجيتها العدوانية التوسعية، ومن أهمها:
 
أولاً: التوقف عن مد المجموعات الإرهابية التي تنشط في الساحات العربية، بالمال والسلاح، واحترام قواعد القانون الدولي التي تفرض التعامل السيادي بين الدول، وبالتالي حلّ الميليشيات التابعة لها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. وهذه الميليشيات قوَّضت ركائز مؤسسات هذه الدول، وأنتجت صراعات داخلية من طريق الدفع بمقاربات ميثولوجيا ولائية غريبة عن التراث الديني والقومي والثقافي لهذه الدول، وهو ما لم تنجح اسرائيل في تحقيقه عبر أكثر من 70 عاماً من العدوان.
 
ثانياً: لا بد لإيران من إعادة النظر بسياستها التي تُهدد الأمن القومي العربي في منطقة الخليج والبحر الأحمر، وذلك من طريق دفعها للميليشيات الحوثية للقيام بأعمال لا يمكن قبولها وأدت الى تهديد وحدة اليمن، وكانت مصدر قلق للأمن في الممرات المائية الدولية الإستراتيجية، وصلت الى حد زرع الألغام البحرية في طريق السفن التجارية، وإطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه المدن السعودية. ويترافق ذلك مع حملات إعلامية مقيتة تستهدف السيادة على المقدسات الإسلامية.
 
ثالثاً: لا يمكن للدول الخليجية ولمصر بأن تسمح لإيران التفاوض معها نيابةُ عن دول عربية أساسية كالعراق وسوريا ولبنان، ذلك أن الإنفلاش المليشيوي الإيراني استفاد من الفوضى الدولية، ومن الإحتلال الأميركي للعراق عام 2003 ومن ثم الإنسحاب منه، ومن الأحداث في سوريا منذ عام 2011 مروراً بإدخال كل أنواع الميليشيات الغريبة لإخماد الثورة، كما من العدوان الإسرائيلي على اللبنانيين والفلسطينيين. وقد وضع "الحرس الثوري" يده على المؤسسات الدستورية والأمنية والمالية في هذه الدول من خلال استخدام ميليشيات طائفية ومجموعات عقائدية.
 
لإيران حق المطالبة بالحوار وبأفضل علاقات التعاون مع الدول العربية المجاورة، وعلى هذه الدول واجب إحترام الخصوصية الإيرانية من حيث الجيرة، ومن حيث التقارب الإسلامي. لكن الإنفلاش الإيراني ذهب بالأوضاع بعيداً، وأصبحت المعادلة في مكانٍ آخر، ولا فرق عند غالبية العرب بين جَوّر الإحتلال الإسرائيلي وبين إحتلال إيراني ساهم في تدمير المقومات العربية وفي إفلاس دول بكاملها، بينما إيران تحمي حدودها ومصالحها من خلال منصات صواريخ على الأراضي العربية، وهي تفاوض مع الغرب بأوراق رابحة، وتوحي بأنها وحدها القادرة على تهديد الإستقرار في المنطقة، أو توفير مثل هذا الإستقرار في آن. وبالتأكيد في ظل هذه المعطيات غير السَوية، الظروف غير مُهيئة لحوار عربي – ايراني في إنتظار أن تُعيد طهران النظر بحساباتها الخاطئة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم