إعلان

الحوار الوطني الموريتاني... أجواء إيجابية لا تلغي المحاذير

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
من جلسة للحكومة الموريتانية
من جلسة للحكومة الموريتانية
A+ A-
يعتبر البعض أن الحوار الموريتاني المرتقب الذي يتم التحضير له من خلال لقاءات يجريها أطراف المشهد السياسي، هو خطوة في الاتجاه الصحيح باعتباره يخفف من حدة الاحتقان الذي يعرفه هذا البلد المغاربي المتعدد الأعراق. فهذا الحوار هو استجابة لمطالب المعارضة التي تصر على إجرائه منذ عام 2019 وتحديداً بعد الانتخابات الرئاسية التي أفرزت فوز محمد ولد الشيخ الغزواني والذي خلف محمد ولد عبد العزيز المثير للجدل.
 
كما أن الأجواء التي رافقت اللقاءات التحضيرية تبعث على التفاؤل بشأن مستقبل بلد المليون شاعر ووحدته الوطنية التي يرغب البعض باستهدافها سواء من الداخل أو من الخارج. ولعل ما يؤكد هذه الأجواء الإيجابية هو حصول عدد من الاتفاقات بين الفرقاء ومنها الاتفاق على تشكيل لجنة تحضيرية مهمتها الإعداد للحوار، وعلى عدد الأشخاص الذين سيمثلون طرفي الأغلبية والمعارضة، حيث استقر الأمر على اثني عشر شخصاً لكل طرف، وتم الاتفاق حتى على الأسماء.
 
في المقابل هناك مؤشرات عديدة تؤكد أن الاتفاقات الحاصلة لم تهدّئ الأجواء تماماً وأن الاحتقان لا يزال طاغياً على المشهد في نواكشوط، باعتبار أن هناك مواضيع كان من المفروض أن تكون من مهمات الحوار الوطني قامت الحكومة بالنظر فيها بصورة منفردة ومن دون إشراك المعارضة التي عبرت أطراف داخلها عن رفضها لهذا السلوك الحكومي. ومن بين المواضيع التي استبقت فيها الحكومة الحوار، وجعلتها محل انتقادات من قبل المعارضة، إنشاء مقاطعات جديدة بما يغير التقسيم الإداري ويؤثر في النظام الانتخابي بحسب بعض المعارضين، وأيضاً مسألة إصلاح التعليم وغيرها.
 
ويرى البعض أن الحوار الموريتاني قد يطول أكثر من اللزوم ويؤدي إلى نتائج عكسية باعتبار كثرة المحاور التي ينبغي التداول بشأنها، في مقابل حاجة البلد إلى نتائج عملية وملموسة في ظرف زمني قياسي تحفظ الأمن والاستقرار والوحدة الترابية وتحسن من معيشة المواطن البسيط. ومن بين المحاور التي ستناقَش مسألة المسار الديموقراطي، أي ما يتعلق بالإصلاحات الدستورية والنظام الانتخابي والعلاقة بين الأحزاب، وهي مسائل حساسة قد تأخذ الكثير من الوقت والجهد من الأطراف المتحاورة فما بالك بباقي المحاور.
 
ولعل أكثر القضايا تشعباً، هي تلك المتعلقة بمسألة الوحدة الوطنية، إضافة إلى الملفات الحقوقية الحساسة على غرار مسألة العبودية، باعتبار أن هذه المسائل كانت في الماضي القريب من "التابوات" التي يتم تجنب الخوض فيها والجدل بشأنها. فبلد المليون شاعر لم يتخلص تشريعياً من داء العبودية إلا منذ سنوات قليلة ولا تزال مظاهر العبودية منتشرة في ربوعه ويبدو بحاجة إلى سنوات أو حتى عقود لتختفي التفرقة العنصرية بين البيضان والحراطين وغيرهم من مكونات هذا الشعب.
 
كما تضم موريتانيا أعراقاً متعددة بعضها يرغب بالانفصال وتشكيل كيان مستقل ويجاهر بذلك على غرار سكان جنوب البلاد من أصحاب البشرة الداكنة والذين يعانون من التمييز. فقد وصل الأمر ببعض الأحزاب المنتمية إلى هذه المناطق إلى حد رفض التعليم باللغة العربية معتبرين إياها لغة أجنبية. ويرى هؤلاء أنه يجب اقتصار التعليم بلهجات القوميات الأفريقية الثلاث المُتحدث بها في تلك الربوع وهي البولارية والسوننكية والولفية، إضافة إلى اللغة الفرنسية رغم أنها لغة المستعمر.
 
ويتعلق الأمر أساساً بحزبين، هما حزب "حركة التجديد"، وحزب "القوى التقدمية للتغيير" اللذان رأى البعض أنهما في إثارتهما لهذا الملف في هذا التوقيت إنما يستبقان الحوار الوطني لفرض إملاءاتهما على المتحاورين. فيما رأى البعض الآخر في هذه المطالب حقاً طبيعياً لمن لا يرغب في تدريس أبنائه لغة لا يشعر بالانتماء إليها بأي حال من الأحوال بخاصة أن عدداً من المتحدثين بها استعبدوا أجداده وتعاملوا معه منذ نشأته بعنصرية مقيتة.
 
ألا يطالب عدد مهم من المغاربيين بالاستغناء عن اللغة الفرنسية باعتبارها لغة المستعمر من جهة ولغة قد تجاوزها العصر ولم تعد لها الريادة للتواصل مع شعوب العالم؟ أليس من يبيح لنفسه هذا الحق مُطالباً بأن يتقبل رفض الآخرين لتعلم لغته في المناهج التعليمية الرسمية التي سيناقش الحوار الوطني الإصلاحات المتعلقة بها؟
 
في المقابل، قد يتفهم المرء إصرار سكان الجنوب من ذوي البشرة الداكنة على إدخال اللهجات المحلية الأفريقية إلى برامج التعليم، لكن ألا يعتبر إصرارهم على اعتماد اللغة الفرنسية كلغة رسمية ضرباً من ضروب الحنين إلى الاستعمار، وظلماً للغة العربية التي وُجدت في المنطقة قبل الفرنسية، وهناك عرب أقحاح في موريتانيا لا يتحدثون سواها فيما لا يوجد مكون فرنسي في التركيبة العرقية للبلد حتى يصار إلى المطالبة باعتماد الفرنسية كلغة رسمية؟
 
وبالتالي وخلافاً لما يتوهم بعض الساسة المتفائلين، فإن الوصول إلى المخرجات التي يأمل في تحقيقها "الصادقون" من الموريتانيين، والتي من بينها تدعيم الوحدة الوطنية وترسيخ المكاسب الديموقراطية، ليس بالأمر الهين. فالخلافات حادة جداً بين مكونات الشعب الموريتاني وتتطلب عقلاء من كل الأطراف السياسية مع عدم فرض إملاءات على أي طرف كان، وإلا أصبح الحوار شكلياً ولا فائدة ترجى من إجرائه.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم