إعلان

خمسون عاما من "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"!

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
جبران تويني
جبران تويني
A+ A-
صادف يوم الـ28 من أيلول الذكرى الخمسين لرحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر حيث ركز كثيرون من محبي "المارد الأسمر" في استذكار مواقفه ورثائهم له على دور الرجل في قيادة الأمة العربية والقتال من أجل تحرير فلسطين وتدمير إسرائيل. 
 
قد يكون جمال عبد الناصر  بالنسبة إلى الأجيال السابقة بطلاً قومياً عربياً، لكنه بالنسبة إلي قد يكون المسؤول عن قتل كامل مروة مؤسس وناشر جريدة الحياة وأحد أبرز صانعي الصحافة العربية واللبنانية والصوت الحر الذي تم اسكاته بطلقة من مسدس "ريس العتالين" في مرفأ بيروت عدنان سلطاني، أحد القتلة المأجورين لعبد الحميد السراج وجهاز مخابراته. فاغتيال مروة لم تكن فقط جريمة قتل صحافي شجاع ومتنور بل نقطة تحول أساسية وبداية تدمير لخط القومية العربية الصادقة الذي انتمى له كامل مروة وناضل في صفوفه إلى جانب الحاج أمين الحسيني. 
 
خمسون عاماً من ثقافة ناصر وعروبته أودت بلبنان والمنطقة إلى الانهيار الكامل وجعلت من مدرسة الاغتيال السياسي وإسكات الأقلام الحرة مدرسة سائدة في لبنان وسوريا والعراق. فكامل مروة كما عبد الناصر ليس مجرد رجل  بل "ثائر" نادى على عكس الأخير  بتحرير حقيقي للعرب يخولهم تحرير القدس والعالم العربي من أعداء الداخل والخارج. 
 
لبنان كامل مروة وجبران تويني وسمير قصير وسليم اللوزي ورياض طه وكل شهداء الصحافة أجمل بكثير من لبنان الحالي الذي أصبح عليه بفضل ساسته الفاسدين المتحالفين مع السلاح الإيراني بثقب أسود يسحب الطاقة والنور من أبناء هذا الوطن الذي تحول عبر العقود الماضية من منارة للعلم إلى لعنة وعبء على العالم العربي الذي أصبح يرى في لبنان قاعدة متقدمة لإيران فقط لا غير. 
 
فالصحافي اللبناني إن كان محظوظاً ونجا من رصاصة أو عبوة ناسفة أو انفجار نووي كالذي دمّر مرفأ بيروت فهو لن ينجو من بطش السلطة السياسة التي تستخدم قسماً من القضاء اللبناني المخطوف لاضطهاد الصحافة الحرة والتضييق عليها عبر استدعاء الكتّاب والناشطين إلى التحقيق. فحرية الرأي المصانة في مقدمة الدستور اللبناني ليست في قاموس الدولة وأجهزتها الرقابية إلا حبراً على ورق، بل إن بعض القضاة باتوا يجتهدون في معرض النص مخالفين قسمهم ومتجاهلين في الوقت عينه دور الصحافة كسلطة رابعة  تحمي اللبنانيين من الطغاة. فعندما دخل عدنان سلطاني مكتب كامل مروة في 16 أيار 1966 كان يسْتلّ مسدساً مزوداً بكاتم للصوت أمّنه له ودربه عليه شريكه في الجريمة إبراهيم قليلات. وبعد تنفيذها كان يفترض أن ينسحب القاتل الى خارج المبنى على ان يهرب الى السفارة المصرية ومنها  إلى خارج البلاد. لكنّ خطة سلطاني فشلت بعد انكشاف الجريمة وقيام المواطن اللبناني رفيق المير بمطاردة سلطاني إلى محلة المصيطبة وتوقيفه وتسليمه إلى السلطة. 
 
أمثال سلطاني في عصرنا هذا ليسوا بحاجة لكاتم صوت ولا للتخطيط سرّاً لجرائمهم ضد "أعدائهم" كونهم يعرفون أن الدولة وأجهزتها التي كانت تضم الشجعان  والمواطنين الصالحين كرفيق المير أصبحوا  للأسف من الماضي، وأصبح باستطاعة الناصريين الجدد من محور الممانعة اغتيال شخص مثل رفيق الحريري من دون أي عقاب، بل قد يصبح المجرمون من مصاف الأولياء والقديسين وترفع صورهم في شوارع لبنان من دون خجل أو حياء. 
 
ثقافة عبد الناصر أدخلت إلى حياتنا اليومية كاتم الصوت تحت مبدأ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وحولت مجتمعاتنا الى مجموعات مهووسة بالقوة والحروب العبثية جاعلة من جريمة كامل مروة وغيره من الشهداء "قرباناً" على طريق تحرير القدس. قد يكون جمال عبد الناصر مات مفلسا كما يجاهر محبوه، وقد يتمكن بعض مناصريه اللبنانيين من تسمية ساحة أو تشييد تمثال له في بيروت أو البقاع من دون أن يُستذكر الّا في سنوية اغتياله،  لكن شهيد الصحافة كامل مروة وأقرانه من أصحاب الكلمة الحرة ما زالوا حاضرين وبقوة في ذاكرة اللبنانيين وعلى صفحات الصحف وفي ساحات المعركة المستمرة نحو لبنان عصري يقبل بالأصوات الأخرى من دون خوف أو كراهية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم