إعلان

العرب بين الكهنوت والحكم الرشيد

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
صور خامنئي ونصرالله والسيستاني
صور خامنئي ونصرالله والسيستاني
A+ A-
يقول مؤسس علم الاجتماع، عبدالرحمن ابن خلدون "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية أو ولاية أو أثر عظيم من الدين بسبب خلق التوحش المتأصل فيهم ... وهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم".
 
وللإنصاف فإن هذا الأمر ينطبق أيضاً على حال كثير من الأمم. فلو عدنا الى تاريخ الحضارات الإنسانية لوجدنا أن امبراطورياتها قامت على منح القادة صفات ربّانية بهدف تمييزهم عن غيرهم وتخصيصهم بأحقية الحكم، ومنحهم العصمة الإلهية في تقرير شأن الحرب والسلام، وتحديد من يغني ومن يفقر، من يقود ومن يُقاد، من يحيا ومن يموت. ولا فرق في ذلك بين ممالك آسيا وأفريقيا، أوروبا وأميركا الجنوبية. فإلى عقود مضت، كان الأمبراطور الصيني أو الياباني، يُعبد ويطاع كآله. والى اليوم يحكم الكهان باسم الرب في المجتمعات الكهنوتية حتى في البلدان الأكثر تقدماً ومدنية.
 
الكهنوتية الجديدة
وبعد الحرب العالمية الثانية، وهزيمة امبراطوريات عظمى أمام الديموقراطية الغربية والشمولية الشيوعية، فرض المنتصرون أسلوب حكمهم على من دونهم في النظام العالمي الجديد. وهكذا حلّ الزعيم الملهم مكان الزعيم المعصوم، والقائد المنتخب من شعبه محل القائد المختار من السماء. وبقيت رايات العقيدة والأثنية ترفرف على الأوطان والأحزاب، وتجمع حولها الأتباع، وتبرر باسمها الأحلاف والصراعات.
 
ولم يطل الأمر كثيراً، فسرعان ما عاد الناس الى أصنامهم البشرية، فمنحوا صفات خارقة لزعامات طال حكمها وعظم أمرها، كما في الاتحاد السوفياتي والصين وكوريا الشمالية وإيران وزيمبابوي وكوبا وليبيا والعراق وسوريا. وهكذا حكم ستالين وماو تسي تونغ وكيم إيل سونغ وآية الله الخميني وروبرت موغابي وفيديل كاسترو ومعمر القذافي وصدام حسين وحافظ الأسد بلادهم حكماً شمولياً لا مرجعية فيه إلا الى القائد الخالد، والزعيم الأبدي، رغم اختلاف العقائد والبيئات وتناقضاتها.
 
ملوك الثورات
كيف تجيز الشيوعية والثورية والقومية التي قامت على أنقاض "الرجعية الملكية" لنفسها دوام السلطة لعائلة حاكمة، أو حاكم مطلق؟ وكيف تقبل عقيدة دينية، قامت على توحيد الله ومساواة البشر، أن يمنح عالم لنفسه العصمة فلا يُسأل عما يعمل وهم يُسألون؟ أو تتفرد سلالة "معصومة" بتوارث الحكم المطلق بأمر الله؟
 
السر يكمن في علم وفن إدارة القطيع. فالبشر كبقية الكائنات الحية تميل الى الاجتماع حول راية، والسير وراء قائد، وفهم أحوال الكون من خلال كاهن. فالعقل البشري رغم تميّزه بالإبداع الفكري، إلا أنه يكسل عن التبحر في الغيبيات ويركن الى الموروث في تفسيرها. وهمة الإنسان التي بنى بها الحضارات، في حاجة الى اجتماع وتكاتف وقيادة. وطبيعة الناس التي يغلب عليها التسابق والتنافس، الطموح والطمع، بحاجة الى حاكم حازم، عادل، يفصل بينهم. والمخاطر والتحديات (الحقيقية، أو المصطنعة والمتخيلة) التي تحيط بهم، تتطلب قيادة قوية تخطط وتوجه وتلهم.
 
الكهنة الجدد
وأعظم القادة من أحسنوا استغلال خوف الناس وجشعهم، تعصبهم وأحقادهم. وأخطر ذلك الخوف من المجهول، والرغبة في التسلط والتفوق على الآخرين، والاستيلاء على ما لديهم. وأخبثهم من أستزرع المخاوف والأطماع، فأشعل الفتن والأحقاد، وبرّر الغزو والاحتلال. ولا فرق كبيراً هنا بين قائد ديني، أو سياسي، قومي أو وطني، فكلهم يستثيرون تلك المشاعر المحركة لهمة البشر، ويستغلون ذلك الكسل في الفكر الحر، والركون الى الموروث والمتعارف عليه، وإتّباع القوي العارف المستئمن. وفي مثل هذه البيئة، لا مكان لأكثر من فكر مرجعي واحد، وقيادة واحدة. فالتعدد شتات، والوحدة قوة. وهكذا تقمع المعارضة، ويصفى المخالفون، يُستعبد الأحرار، ويُحبس العقل الإنساني الرحب في صندوق مغلق، مفتاحه بيد المتسلط.
 
الكهنوت ليس قصراً على الدين، فكهنة السياسة والعقائد والقوميات يديرون القطيع بالمبادئ الحاكمة نفسها، وإن اختلفت الأساليب. ومن هنا نشأت العلاقة التكاملية بين الزعيم السياسي والزعيم الديني في عصور الإقطاع، فسلّم الناس عقولهم للكهنة، وأموالهم للنبلاء، وأرواحهم للملوك.
 
وما الثورات القومية التي قادتها الناصرية والبعثية العراقية والسورية إلا شراكة تقليدية بين كهنة فكر وعقيدة، كميشال عفلق ومحمد حسنين هيكل، وزعامات شعبوية استثنائية كجمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين.
 
ولاية الفقيه
ونحن اليوم، نعيش عودة الزعامة الدينية الواحدة. فمنذ الثورة الخمينية عام 1979 التي أعادت الصفوية الى حكم فارس، وابتدعت مبدأ ولاية الفقيه، التي تسمح لرجل دين يدّعي العصمة من الخطأ والنسيان، والتواصل مع إمام الزمان الغائب، وتمثيل الله في الأرض. وفي المقابل، انتفضت الطوائف المنافسة، وعاد أهل السنّة الى موروث الخلافة، والحاكمية الأممية العابرة للجغرافيا والإثنية.
 
وهكذا خرجت "القاعدة"، ثم "داعش"، بدعوة الخلافة، وأحيت جماعة "الإخوان المسلمين" مشروعها "المزمن"، هذه المرة برعاية تركيا أردوغان وتمويل قطر وتوافق مصالح مع إيران وأميركا، وذهبت أفغانستان الى الإمارة الإسلامية المستقلة، واليمن الى الحكم السلالي الموالي لإيران، ولبنان الى حكم الطوائف الدينية، بقيادة "حزب الله" الإيراني.
 
قبلية العصر
العجيب هو قبول الناس، متعلمهم وجاهلهم، لمفهوم "القبلية العصرية" الذي لا يختلف في أساسه عن مفهوم عشائرية العصور السحيقة. ورغم الشعارات والادّعاءات الثقافية والنخبوية التي تحمل مفاهيم الاستقلال والحداثة، والتي تنقاد على الآخر رجعيته وتبعيته، الا أن أكثرنا في نهاية المطاف أبناء طائفة عرقية أو دينية أو حزبية. نصوت لمرشحيها وننقاد لسياساتها ونفدي قياداتها "بالروح والدم". نعمى عن المنطق، ونتجاوز الحق، وننحاز للشقيق والرفيق ولو كان ظالماً ومتعدياً، جاهلاً وفاشلاً، حتى النهاية.
 
وليس ذلك حصراً علينا، فقد شهدنا في الانتخابات الأميركية الأخيرة كيف تحزّب الناس يميناً ويساراً، ابيضَ وملوناً، وتبعت القطعان فحولها على حق وباطل، كفاءة وبلادة. وصدّقت ما يُملى عليها، ولو خالف العقل، وصفّقت لمن يستحق ومن لا يستحق نصرة وانحيازاً للقبيلة السياسية، والعرقية والدينية. لا فرق في ذلك بين العوام والخاصة، الجهلاء والمثقفين، البسطاء والخبراء. وشاركت في هذه القطبية العمياء نخب السياسة والاقتصاد، الإعلام والتعليم. وعلى هذا فقس حال أعرق الديموقراطيات وأكثرها تمدناً في أوروبا وآسيا.
 
أكذوبة الديموقراطية
هذا يقودنا الى حقيقة كشفتها أحداث أفغانستان الأخيرة. فقد سعت الولايات المتحدة خلال عقدين الى تكريس مفهوم الديموقراطية الغربية وفرض نظامها على أفغانستان، كما فعلت في العراق. وأنفقت على تحقيق ذلك تريليونات الدولارات، واجهدت خبراءها وعلماءها ومعلميها في بناء الدولة على نسق الأنموذج الغربي. طبقوا نظرية الفوضى الخلّاقة، و"الهدم وإعادة البناء"، وقسموا الأوطان، وفككوا مؤسسات الحكم القائمة، وأقاموا البديل ودرّبوه ومكّنوه، وحموه.
 
ولكن ما جرى كان درساً موقظاً ومعلماً، فما بنوه في عشرين عاماً انهار في أيام، ومن علموهم ومكنوهم وسلموهم إدارة البلاد، أعادوا تسليمها لميليشيات "طالبان"، وتسابقوا الى مطار كابول والدول المجاورة طلباً للجوء. وعادت الأمة الأفغانية الى جذورها التقليدية، من حكم القبيلة وحاكمية الدين والعرف والتقاليد.
 
وفي العراق بوادر لهذه النهايات، فقد رفض الجسد العربي عمليات زراعة الأعضاء، والتقسيم والتلوين والتشكيل. واستغلت ذلك إيران فاستزرعت أعضاءها العجمية. واليوم، تمهد أميركا لانسحابها بعد فشل أنموذجها الديموقراطي في تحقيق الأمن والتنمية والاستقرار، الحرية والمساواة والعدل. كما فشلت إيران في إقناع عرب العراق بالولاء لعجم الفرس، والقبول بهيمنة قسّمت الوطن الواحد الى ثلاثة أوطان، واحوجت بلاد الرافدين الى استيراد الطعام والكساء، الماء والكهرباء والوقود وكل الاحتياجات اليومية، بعد أن كانت منتجة ومصدرة لها.
 
الغطرسة الاستعمارية
"غطرسة المستعمر"، كما يسميها الأغريق، كانت عبر التاريخ داءه وسر فشله، إذ حالت دون استيعاب الدروس، وتصحيح الأخطاء. وهكذا لم يتعلم الغرب وفارس والأناضول من تجارب الماضي فكرروها. وأميركا التي جرّبت وصفاتها في فيتنام فأودت بالاثنين الى المهالك، كررتها بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 في أفغانستان والعراق، وحاولت أن تحققها في بقية بلدان الربيع العربي. وفي كل مرة يفشل فيه النموذج الغربي والعجمي يُكال اللوم على الأمم المحتلة، ويأبى المحتل والمهيمن أن يعترف بفشل مشروعه وعدم ملاءمة أنموذجه وخيبة حلوله.
 
والخطورة في الإنكار والمكابرة، احتمالية تكرارها. فالمُنكر يسعى لإثبات أنه كان محقاً، وما الذنب ذنبه، أو لم تساعده الظروف. وبالتالي تغريه الفرصة التالية بمغامرة جديدة يكرر فيها المحاولة، ربما بأساليب جديدة، وأدوات محسنة، ولكن مع القناعة نفسها بتفوّق مفاهيمه وقيمه وتجاربه، وبحقه الأخلاقي، الحضاري أو الآلهي في فرضها على الآخرين.
 
الحكم الرشيد
ليس هناك نموذج أمثل للحكم، يصلح لكل مكان وزمان، وإنما هناك معطيات فشل ونجاح. واستقراء التاريخ يفيد ولا يكفي. فما نجح في الأمس، قد لا ينجح اليوم، وما تقبله الناس في عصر قد لا يقبله الجيل الجديد. وعليه، فليس هناك وصفة واحدة، ولكن هناك ركائز ثابتة. أهمها أن يحقق نظام الحكم العدل والأمن، الحرية والكرامة. ويوفر للناس البيئة الخصبة التي تساعد في النماء والازدهار والتفوق. بما في ذلك توفير متطلبات جودة الحياة في مجالات أساسية كالتعليم والعلاج والطعام، وخدمات الماء والطاقة والنقل والاتصال، وثقافية ترفيهية، كالرياضة والسياحة والفنون.
 
وبغض النظر عن نظام الحكم، ومدى عصريته أو تقليديته، بساطته أو تعقيده، عالميته أو محليته، إن لم يوفر متطلبات الحياة الكريمة للمواطن، فلن يستحق ولاءه وانتماءه، ورضاءه. وحاكم يدّعي التميز والخصوصية، النبوة أو الألوهية. ونظام حكم شمولي ومطلق يسيطر عليه الفرد أو الطائفة أو الجيش، يقصي المكونات الأخرى، ويستفرد بالحكم، ولا يؤمن بالمشاركة والشورى، محكوم عليه بالفشل.
ودولة تهيمن عليها أخرى، وتتدخل في شؤونها، وتدعم أطيافاً منها وتحرم أخرى، وتدفع الى مقاعد الحكم بمن يواليها ويحقق مصالحها، ستسقط هيبتها أمام شعبها والعالم من حولها، وتنتهي الى ما انتهت اليه أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن.
 
وأفضل نظام حكم هو ما وافق ثقافة البلد وأشرك كل مكوّنات الشعب وحصر أهدافه في تنمية الوطن والمواطن، وابتعد من المحاور والمعسكرات والتحالفات الخلافية، وركز على بناء الجسور مع الجوار وتعاون مع المجتمع الدولي في ما يفيد وينفع.
 
هذه هي شروط ومواصفات الحكم الرشيد، والباقي مجرد شعارات وأدوات ... وتفاصيل.
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم