إعلان

الدولة العربية المعاصرة... طاهية الحصى!

المصدر: النهار العربي
هشام الحاجي
من انتفاضات الربيع العربي
من انتفاضات الربيع العربي
A+ A-
أعتقد أن غالبية المواطنين العرب يحتفظون بقصة المرأة طاهية الحصى التي تعتبر خاتمتها من مآثر أمير المؤمنين عمر الخطاب. المرأة التي أنهكها الفقر كانت توهم أبناءها الذين أرهقهم الجوع أنها تطبخ لهم وجبة العشاء في حين أنها كانت تطبخ الحصى والحجارة حتى يأخذ النوم الأطفال وليناموا من دون أكل.
 
تحضرني هذه القصة في سياق الوضع العربي الراهن وأجد نفسي مندفعاً للمقارنة بين المرأة التي تطبخ الحصى والدولة العربية المعاصرة. هناك نقطة اختلاف جوهرية بينهما وتتمثل في أن المرأة كانت فقيرة ولا تملك الحد الأدنى من الموارد التي تجعلها تستجيب لحاجات أبنائها في حين أن الدولة العربية تملك - وبدرجات متفاوتة - موارد بشرية وثروات طبيعية تُمكّنها، نظرياً، من الاستجابة لتطلعات شعوبها.
 
ولكن الدولة العربية المعاصرة انتهجت سياسات هدر الإمكانات والموارد البشرية والطبيعية. هناك أنظمة بددت الثروات والغاز الطبيعي ولم تستفد من هذه الثروة الاستفادة المثلى في حين أن دولاً أخرى أضاعت وبددت طاقات وموارد بشرية هائلة كان في الإمكان لو وُظفت التوظيف الأمثل أن تقطع مع الفقر والتبعية وأن تحقق النقلة المنشودة نحو التنمية وقطع أغلال التبعية. الدولة العربية المعاصرة التي تسلمت مقاليد الأمور بعد الاستعمار المباشر هي دولة الهدر والمقايضة التعجيزية والإنسان العربي الذي يرزح تحت سلطتها هو بحسب العبارة الرشيقة للمفكر مصطفى حجازي "إنسان مهدور".
 
النزر القليل من "المكاسب" التي تحققت في ظل دولة "الاستقلال العربية" لا ينسجم مع ما توفر من إمكانات وبخاصة مع الشعارات التي رفعتها كل الأنظمة العربية ظلت بعيدة المنال بل تحولت إلى ما يشبه السراب الذي يبتعد عن مجال ادراكنا كلما اقتربنا منه وهو ما جعل أوضاعنا تزداد سوءاً. أرقام الأمية في ارتفاع وأعداد اللاجئين العرب تزداد يوماً بعد يوم والأنظمة التربوية تزداد ابتعاداً عن المطلوب في سياق الثروات المعرفية المتلاحقة التي تعيشها الإنسانية.
 
من المفارقات أن الدولة العربية المعاصرة لم تعد قادرة على إدارة لعبة "التسويف والمقايضة" التي اعتمدتها سابقاً حين كانت تخيّر المواطن العربي بين تلبية الحاجيات الأساسية و"ترف" الحريات السياسية والمواطنة أو بين الحاجات الأساسية ومواجهة العدو الصهيوني. الدولة العربية الجديدة التي أتى بها "الربيع العربي" عجزت عن ممارسة المقايضة (وهي ممارسة سلبية) والتي جاءت بزعم القضاء عليها وتحولت إلى التجسيد الأمثل لدولة طاهية الحصى وتسكت جوع أبنائها بسرديات لم تعد تشبع من جوع أو تغني من فقر.
 
تراجعت كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وتبخرت "المكاسب" في أقل من عشرية من الزمن لينتشر الفساد والفقر والبطالة والبؤس بأرقام خيالية من دون أن تحرك الدولة الطاهية ساكناً أو يرفّ لها جفن وهي التي لا تشعر بقيمة الزمن وبمعنى الحياة الإنسانية وتغطي على عجزها وفشلها بافتعال المعارك والأعداء الوهميين أو بدعوة "مواطنيها" إلى الصبر بداعي أن الانتقال الديموقراطي يحتاج إلى حيز من الزمن ليحقق أهدافه، فيما تناسى القيمون أنهم اغروا المواطن في بداية "ثوراتهم" بخطاب الآن وهنا الذي يعني الإشباع الشامل والفوري لكل الرغبات وأنهم سيختصرون الزمن والمراحل، ليتضح في ما بعد أنهم ليسوا في الواقع إلا طهاة حصى وحجارة.
 
* كاتب وباحث تونسي في علم الاجتماع
 
الكلمات الدالة