إعلان

"الدستورية" التركية ترفض دعوى إغلاق "الشعوب الديموقراطي" شكلاً... 3 سيناريوات

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
مناصرو "الشعوب الديموقراطي" يحتجون على محاكمته
مناصرو "الشعوب الديموقراطي" يحتجون على محاكمته
A+ A-
أصدرت المحكمة الدستورية العليا في تركيا يوم الأربعاء قراراً بالإجماع بإعادة طلب مدعي عام المحكمة الإدارية العليا إغلاق حزب "الشعوب الديموقراطي" المعارض، معلنة رفضها الدعوى شكلاً نتيجة "نواقص" في الملف المقدّم.
 
وفي حين قوبل القرار بارتياح موقت من مناصري الحزب اليساري الموالي للكرد والداعم لقضايا الحريات والديموقراطية وحقوق الفئات الأقلوية في خطه العريض، إلا أن جملة من الأسباب تقودنا إلى الشك بخلفية قرار المحكمة السياسية بدلاً من القانونية أهمها:
 
- إن ثلث أعضاء المحكمة الدستورية يعينهم الرئيس التركي وفق تعديلات 2017 على الدستور.
- إن ثلثي أعضاء هذه المحكمة عينهم ائتلاف السلطة الذي يرأسه أردوغان أيضاً.
- تعرض المحكمة لضغوط سياسية هائلة من حزب "العدالة والتنمية"، من جهة، وشريكه في السلطة حزب "الحركة القومية"، وسط ردود الفعل الخجولة للمعارضة التي تخشى إعلان الدعم صراحة لـ "الحزب الكردي" خشية إثارة حفيظة القوميين في قواعدها الشعبية، وهو ما يظهر جلياً بشكل خاص في ردود الأفعال المرتبكة لرئيسة "الحزب الجيد" ميراك اكشينار.

أمام هذه الحقائق يمكن تصوّر 3 سيناريوات لهذا الرفض، نوردها من الأقوى إلى الأضعف احتمالاً:
 
أولاً- مع الأخذ في الاعتبار أن رد الدعوى شكلاً لا يعني بأي حال من الأحوال إنهاء ملف إغلاق الحزب، فإن الغالب في خطوة المحكمة نيتها خلق انطباع لدى الرأي العام الداخلي وتوجيه رسالة الى الخارج مفادها حرص السلطة القضائية الأعلى في البلاد على تنفيذ المعايير القضائية والحقوقية بحساسية عالية، بالتزامن مع صدور تقارير وتصريحات متلاحقة من الهيئات الأوروبية الخاصة بنزاهة العدالة وحماية حقوق الإنسان تدين التجاوزات التي تشهدها تركيا مع انتقالها إلى نظام حكم الرجل الواحد وانعدام الفصل بين السلطات الثلاث، ناهيك بالتصريحات الأميركية بإدارتها الجديدة والمعروفة باستغلال ملف حقوق الإنسان على نطاق واسع.
 
وبالتالي فإن رفض الدعوى شكلاً، قد يبرّئ أي قرار قضائي متطرف لاحقاً من تهم الانحياز للسلطة، أو الرضوخ لضغوطها السياسية، ويقطع الطريق أمام الأصوات الخارجية المنددة بقمع المعارضين وتقييد الحريات في البلاد.
 
ثانياً- وقد يشير القرار إلى تغيير في خطة السلطة وتوجهها نحو إضعاف الحزب تمهيداً لإطفائه على مراحل عبر تنشيف موارده المالية من الضرائب والرسوم القانونية من خلال إيقاف الأموال المستحقة للحزب عبر الخزينة، وحظر مسؤوليه البارزين واللامعين ذوي الشعبية الواسعة من ممارسة العمل السياسي، بدلاً من اتخاذ خيار الإغلاق بشكل مباشر، خشية إثارة ردود أفعال قاسية من الممكن أن تتحول إلى دوامة عنف داخلية مربكة للحكومة.
 
رد الفعل المحتمل ذلك عبّر عنه الرئيس الحالي المشترك لحزب "الشعوب الديموقراطي" مدحت سنجار خلال احتفالية حاشدة قبل أسبوع في ديار بكر عندما قال للجمهور: "دعوى الإغلاق المفروضة علينا، وخطوات عزل النواب، والحملات السياسية، التي تمثّل أجندتنا لليوم، هي أجندة جمهورنا أيضاً، الحماسة التي أبديتموها في الساحات عززت من تصميمنا وإيماننا بصحة مسيرتنا".
 
ثالثاً- وهو السيناريو الأضعف بين الاحتمالات المطروحة، يفترض وجود انشقاق داخل أعضاء المحكمة بما يخص قرار الإغلاق، ورغبة بعض أعضائها في تأكيد استقلالية قرارهم وسيادة القانون وعلوه فوق الأحكام والسياسات الحزبية.
 
ويدعم المدافعون عن هذا السيناريو موقفهم بالإشارة إلى قرار المحكمة للمرة الثانية بإطلاق سراح النائب السابق في حزب "الشعب الجمهوري" المعارض أنيس بربر أوغلو، وهو ما رفضته محكمة الجنايات المحلية في إسطنبول، وسط استمرار اعتقال النائب المتهم بقربه من جماعة الداعلية الإسلامي فتح الله غولن.
 
وفي موقف معتاد من حزب "الحركة القومية" اليميني التركي المتطرف تجاه الأحزاب الكردية والأحزاب والمنظمات المدافعة عن حقوق الأقليات، أبدى زعيمه دولت باهتشيلي رد فعل عنيف على قرار المحكمة الدستورية الرافض للدعوى شكلاً، داعياً إلى "إغلاق المحكمة الدستورية العليا" أيضاً إلى جانب حزب "الشعوب الديموقراطي"، الذي يشترك مع شريكه أردوغان بوصفه بـ"الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني" المحظور في البلاد.

قضية كوباني بعد 6 سنوات من الحدث
دعوى الإغلاق ليست الوحيدة ضد الحزب الغارق في دوامة من الشكاوى القضائية المرفوعة "بشكل فردي" أو من جانب المحكمة العليا على شخصيات وسياسيين بارزين في صفوفه، اضافة للقضية الأخرى المعروفة ضده باسم "قضية كوباني"، والتي لا تبدو منفصلة عن مساعي الإغلاق، والموجّهة ضد 108 شخصيات حزبية، بمن فيهم الرئيسان المشتركان السابقان للحزب صلاح الدين دميرتاش وفيجين يوكسيكداغ، والرئيسة المشاركة الحالية بيرفين بولدان، والعديد من النواب ورؤساء بلديات، سابقين وحاليين، وجميع أعضاء المجلس التنفيذي المركزي للحزب لعام 2014، وغيرهم.
 
وقامت السلطات التركية برفع هذه الدعوى رداً على الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وبعد اسبوعين من إصدار حكمها النهائي المطالب بالإفراج الفوري عن صلاح الدين دميرطاش. وتطلب لائحة الاتهام في هذه القضية حكماً بالسجن لأكثر من 15000 سنة على صلاح الدين دميرطاش وحده، بسبب مشاركته تغريدة على تويتر، نُشرت في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2014، دعت إلى تنظيم تظاهرات تضامناً مع أهالي عين العرب (كوباني) في شمال سورية، ضد حصار تركيا البلدة بالتزامن مع هجمات "داعش".
 
أدت الاحتجاجات التي عمت المدن والمناطق ذات الغالبية الكردية في تركيا إلى سقوط ما لا يقل عن 37 قتيلاً، غالبيتهم من أنصار حزب "الشعوب الديموقراطي"، بنيران الشرطة التركية. ورغم تقدّم حزب "الشعوب الديموقراطي" بالعديد من المقترحات لتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الاحتجاجات وكشف الحقيقة ومعرفة القتلة والمحرضين على العنف، إلا أن كل هذه المقترحات قوبلت بالرفض من تحالف حزب "العدالة والتنمية" وحزب "الحركة القومية" الحاكم ذي الأغلبية في البرلمان، كما أنه لم تتم مقاضاة أي ضابط شرطة تركي بشكل فعال، ولم يتم إجراء تحقيق لكشف المسؤولين عن مقتل أنصار الحزب، لتقوم الحكومة التركية بعد أكثر من ست سنوات على الاحتجاجات، بمعاقبة الحزب في الاحتجاجات التي قتل فيها أنصاره.
 
وبينما يتهم الرئيس أردوغان منذ فترة طويلة قيادة حزب "الشعوب الديموقراطي" بالتحريض على العنف من خلال الدعوة إلى الاحتجاجات، أكدت الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قرارها الصادر في 22 كانون الاول (ديسمبر) 2020 ، أن احتجاج حزب "الشعوب الديموقراطي" في كوباني "ظلت ضمن حدود الخطاب السياسي، بقدر ما لا يمكن تفسيرها على أنها دعوة الى العنف".
 وفي بيان تلقى "النهار العربي" نسخة منه، دعا حزب "الشعوب الديمقراطي" المجتمع الدولي والمحامين والنواب المنتخبين والأحزاب السياسية وجميع الأفراد والمؤسسات المعنية بالحياة الديموقراطية في تركيا، إلى حضور الجلسة الأولى لـ "قضية كوباني" والمقرر عقدها في 26 نيسان (أبريل) 2021 في أنقرة كمراقبين، حيث يخشى الحزب من استغلال القضية كخطوة أخرى على طريق إغلاقه.
 
اضافة إلى "قضية كوباني" فإن دميرطاش وعدداً من زملائه السابقين يواجهون أيضاً دعوى التعامل مع زعيم حزب "العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان المعتقل في سجن أميرلي في تركيا بسبب لقائهم به في السجن في الفترة المعروفة في تركيا باسم "مسار الحل (المصالحة)".
 
وأكد دميرطاش في مقابلة صحافية أخيراً أن "اللقاء تم بطلب من السلطة" في محاولة للتوسط وعقد مصالحة بين الدولة والحزب المصنف في لوائح الإرهاب التركية وعدد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، "وكان في الأصل واحداً من 10 لقاءات قامت بها الحكومة والدوائر المقربة منه مع الزعيم الكردي في حينه، اضافة إلى لقاء شخصيات سياسية من أحزاب مختلفة مع قيادات بارزة في "العمال الكردستاني" في تلك الفترة، إلا أن السلطة تصرّ على تقديم هذا اللقاء كدليل على صلة "الشعوب الديموقراطي" بـ "العمال الكردستاني" حتى في دعوى الإغلاق المرفوعة حديثاً.
 
ويناقش حزب "الشعوب" الحاصل على أصوات أكثر من 6 ملايين ناخب والحزب الثالث في البرلمان في الحجم التمثيلي وعدد النواب بعد "العدالة والتنمية" الحاكم و"الشعب الجمهوري" المعارض الأم، جملة من الاحتمالات للتعامل مع السيناريوين الأكثر احتمالاً: الإغلاق أو الإطفاء بشكل تدريجي، في ظل الخشية من أن يترك وحيداً في مواجهة حملات السلطة السياسية عبر القنوات القضائية، بخاصة بعد رسائل الإتحاد الأوروبي الأخيرة لجهة أهمية العلاقة مع أنقرة وسط سياسات بايدن الجديدة بإعادة إحياء حلف  شمال الأطلسي أمام الخطر الروسي - الصيني، حيث تشكّل أنقرة ثاني أكبر قوة فيه، من دون أن يستبعد داعمو الحزب ومناصروه خيار اللجوء إلى الشارع كآخر السبل للدفاع عن حقهم في المشاركة في حياة بلدهم السياسية.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم