إعلان

واشنطن والرباط... اختبار النوايا بالأفعال

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
الاعتراف بمغربية الصحراء
الاعتراف بمغربية الصحراء
A+ A-
أوضح المغرب قبل وأثناء وبعد التوقيع على الاتفاق الثلاثي الذي جمعه بكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، أن الأمر لا يتعلق بمقايضة قضية فلسطين بقضية الصحراء المغربية، غير أن الأمر لا يحتاج إلى ذكاء كبير لاستنتاج أن المغرب بتلك الخطوة سعى إلى تعزيز فرص حل المشكلة المفتعلة في الصحراء المغربية والتي عطلت جهود التنمية فيه وعرضته لمخاطر التقسيم لأكثر من 45 سنة. 
 
وإذا كان البعض قد ركز على الأثر القانوني للإعلان الرئاسي الأميركي، ومدى إلزاميته لباقي المؤسسات الأميركية، وحجم تأثيره في الأمم المتحدة خصوصاً في مجلس الأمن، فإن الأثر السياسي لم يحظ بعناية كبيرة، علماً أن قضية الصحراء المغربية، هي في الأصل قضية سياسية، سواء من جهة الأخطاء التي ارتكبت في الداخل وتركت شباباً صحراويين يرتمون في أحضان معمر القذافي وهواري بومدين بينما كان سقف مطالبهم هو تحرير الصحراء وبناء نظام ديموقراطي في المغرب، أو الوضع الدولي الذي برزت فيه المشكلة وساهم في تعقيد الحل وجعله بعيد المنال لعقود طويلة وذلك لاعتبارات سياسية تتعلق بتموقع أطراف النزاع من جهة التحالف والولاء لأحد المعسكرين الشرقي أو الغربي، وهو ما جعل قضية الصحراء واحدة من أقل الملفات التي بقيت دون حل منذ الحرب الباردة، ومن تعقيداتها اليوم، أن الجزائر وصنيعتها "البوليساريو"، يحتفظان بقاموس ومراجع وذهنية الحرب الباردة في شكل مغاير لما يعيشه العالم من تحولات، وإذا كان المغرب صمد كل هذه السنوات، فلأنه محصّن بإجماع وطني ولأنه ببساطة لم يقبل في يوم من الأيام، أن يجعل حل قضية الصحراء مسألة مقايضة بقضية أخرى، وهو أمر كان يمكن القيام به في فترات كثيرة من تاريخ النزاع...
 
بعد الاتفاق الثلاثي دخل الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء المغربية حيّز التنفيذ وفتح قنصلية في مدينة الداخلة، ما يعني أن مرحلة الأجرءات والتنفيذ قد بدأت على أرض الواقع، فإذا كانت المفاوضات استغرقت سنتين، فإن الجوانب التنفيذية بلا شك أخذت حيزاً مهماً من طرف الجميع، إذ إن المنطق يقتضي أن كل طرف قد حقق مكاسب وفق جدولة زمنية واضحة. وهنا يبدو تاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2021، وهو تاريخ مغادرة دونالد ترامب للبيت الأبيض وتنصيب جو بايدن رئيساً رسمياً للولايات المتحدة، تاريخاً حاسماً في ما يتعلق بالتزام الإدارة الأميركية. ولعل منطق التنفيذ المتزامن للالتزامات، قد بدأ منذ الإعلان الرئاسي، وإخبار مجلس الأمن والأمم المتحدة بهذا المستجد، واعتماد خريطة جديدة في الخارجية الأميركية للمغرب تضم التراب المغربي كاملاً، ثم بتوقيع الاتفاق الثلاثي الذي تلته تغريدة وزير الخارجية مايك بومبيو بخصوص انطلاق عملية فتح القنصلية في الداخلة وبداية العمل فعلياً بقنصلية افتراضية يتم تسييرها من الرباط، وصولاً إلى الاتصال الهاتفي بين الملك محمد السادس وبنيامين نتنياهو. هذه الحوادث المتتالية توضح من جهة، أن هناك أجندة واضحة يتم تنفيذها، لكنها تكشف أيضاً أن هناك حذراً واضحاً بين الأطراف وهو أمر طبيعي في مثل هذه الاتفاقات التي تنطوي على تعقيدات كثيرة، منها ما تفرضه القضايا المتعاقد بشأنها، ومنها ما يتعلق بطبيعة المتعاقدين أنفسهم... 
 
يواجه المغرب اليوم مرحلة اختبار للإلتزامات الأميركية، وهو اختبار يهم عمل الأمم المتحدة، وذلك من خلال دعم واشنطن للمغرب في حسم عدد من الجوانب المتعلقة بالنزاع المفتعل في الصحراء، وهذه ستكون أبرز عناوين العمل الديبلوماسي المغربي في السنة المقبلة: 
 
أولاً: وضع حد للتعسف الجاري منذ 1988 على ميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً فصله الرابع الذي يحدد اختصاصات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ إن الفقرة الأولى من المادة 12 تمنع على الجمعية العامة بحث وإصدار قرارات في قضايا يعالجها مجلس الأمن، والحال أن الجمعية العامة من خلال لجنة تصفية الاستعمار، ما زالت تناقش قضية الصحراء المغربية بينما قد تولاها مجلس الأمن منذ 1988. هذا التناقض سيسعى المغرب إلى وضع حد له بصورة مستعجلة، والولايات المتحدة الأميركية قادرة على القيام بذلك، بخاصة أن الأمر لا يتعدى فرض احترام ميثاق الأمم المتحدة. 
 
ثانياً: توضيح أمر أساسي من داخل الأمم المتحدة، وهو أن النزاع في الصحراء لا يتعلق اليوم بتصفية الاستعمار، والذي وضعه المغرب كصاحب حق منذ 1963 مطلباً في اللجنة الرابعة، وذلك لأن تصفية الاستعمار تمت فعلياً بين عام 1969 عندما استرجع المغرب سيدي إفني وسنة 1975 عندما استرجع الصحراء، عبر مفاوضات بين المغرب وإسبانيا كانت موضوع قرار الجمعية العامة الرقم 2072 الصادر في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1965. 
 
ثالثاً: وضعية المحتجزين المغاربة في مخيمات تيندوف، بحيث يجب العمل على تمكين هؤلاء اللاجئين الذين تقع مسؤولية حمايتهم على الدولة الجزائرية، بأن تمكنهم من حقوقهم وفقاً لاتفاق جنيف ذات الصلة، وتمييز السكان المدنيين عن أفراد الميليشيات المسلحة، وتمكينهم من أهم الحقوق وهو الاختيار بين العودة إلى المغرب، أو البقاء في الجزائر أو التوجه إلى بلد ثالث، لكن لا يمكن أن تستمر معاناة ساكنة، ومع ذلك يستمر الحديث عن الاستفتاء وفزاعة تقرير المصير بينما الجزائر و"جبهة البوليساريو" ترفضان حتى إحصاء المحتجزين في مخيمات تيندوف... 
 
رابعاً: عطفاً على النقطة السابقة، المغرب يجب أن يطرح موضوع تسمية واختصاصات بعثة الأمم المتحدة "المينورسو" في الصحراء المغربية، وعلى هذا المستوى أعتقد أن الدولة يجب أن تكون حاسمة ومعها الولايات المتحدة، إذ لا يُعقل أن مجلس الأمن قطع أي إمكان لتنظيم الاستفتاء، فمنذ 2007 وهو يدعو الأطراف للحوار على أرضية الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه يقبل استمرار حمل بعثته في الصحراء تسمية "بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية"، علماً أن خطة التسوية انتهت إلى غير رجعة بشهادة مجلس الأمن. 
 
خامساً: حسم موضوع تمثيل "جبهة البوليساريو" للصحراويين، فالجبهة لا تمثل سوى طيف صغير جداً داخل الصحراء، وحتى هذه التمثيلية لا تستند إلى دليل. وفي المقابل هناك تيارات سياسية متعددة لها مطالب لا يتجاوز سقفها الحكم الذاتي وهي منخرطة اليوم في تنفيذ المخطط التنموي الجديد للأقاليم الصحراوية والذي تتجاوز قيمته 77 مليار درهم (7.7 مليارات دولار)، وإذا كان الأمر يحتاج إلى تذكير، فيمكن التذكير بعدد الأحزاب والتيارات في الصحراء التي قبلت حل نفسها والإنخراط ضمن الوطن الواحد منذ 1975، كما يجدر التذكير هنا بأمر مهم يتعلق بمضمون قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2072 الصادر عام 1965 والذي ناشد إسبانيا إطلاق مشاورات ومفاوضات من أجل إنهاء مشكلة السيادة في كل من سيدي إفني والصحراء المغربية، فمع من جرت المفاوضات؟ هل مع المغرب أم مع "جبهة البوليساريو" التي لم يتم استحداثها إلا عام 1973؟.
 
هذه النقاط المترابطة والمتماسكة، يمكن للمغرب أن يجعل منها مدخلاً لإعادة النظر في تعاطي الأمم المتحدة مع قضية وحدته الترابية مسنوداً بالاعتراف الرئاسي الأميركي، بما يمثل اختباراً للنوايا بالأعمال...
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم